النهاية المثالية: الفصل 17

المسار الخفي

الفصل 17: المسار الخفي

 

“لا يمكن أن يكونوا هم.”

 

راح رايان يفتّش في صندوق سيارته الخلفي، إلى أن وقعت يداه على سلاحَيه السرّيَين: مسدسه الكهرومغناطيسي، وكيس من الطحين. “ما الذي تعرفه عن كرنفال ليو هارغريفز، يا صديقي القط؟”

 

“يقولون إنهم أبطالٌ جوّالون، يقاتلون النّهّابين أمراء الحرب، الجينومات الخطرة، والسايكو،” ردّ آتوم كات، مسندًا ظهره إلى السيارة. “يساعدون المجتمعات مجانًا، ثم يرحلون. فرسانٌ جوّالون بمعايير العصر الحديث… لا قتلة مأجورون.”

 

“هذا صحيح،” أقرّ رايان، وكان ذلك جزءًا من سبب احترامه لهم كفريق، حتى بعد المشاكل التي سبّبوها له. “لكنهم أيضًا فرسان براغماتيون. حين يقاتلون، لا يرحمون. يضربون بقوّة وسرعة، وعلى خلاف معظم الجينومات، فهم يستخدمون تكتيكات الفرق الصغيرة بحق.”

 

رمقه آتوم كات بنظرة فضولية. “تتحدّث وكأنك قاتلتهم من قبل.”

 

“نعم، قاتلتهم.” وكانوا قد منحوه نصيبه العادل من الإعادات، خاصة في حلقاته الأولى. “كنتُ حاضرًا يوم قتلوا بلَدستريم قبل أربع سنوات، وعلقت وسط تبادل النيران. عادةً، أعشق أن أكون في قلب الأحداث المثيرة… لكن ذلك اليوم كلّفني شيئًا عزيزًا.”

 

“شيئًا؟ أم شخصًا؟”

 

قط ذكي.

 

كان ذلك اليوم هو نفسه الذي شرب فيه رايان الإكسير، فقط كي ينجو من تلك الكارثة منذ البداية. لم يكن قادرًا آنذاك على التحكّم الكامل بنقطة حفظه، فانتهى به الأمر محبوسًا في مسار غير مثالي…

 

مسارٍ فصله عن لين.

 

وما إن راودته تلك الفكرة، حتى رمق رايان البحر المتوسّط، يرقب انعكاس الفجر المتصاعد على مياهه. اتّضح أن القاتل قد اتّخذ من مقبرة سفنٍ بين مدينة الصدأ والميناء القديم قاعدةً له. كانت ناقلة النفط العملاقة التي رآها على الشاطئ مجرد أوّل جندي في جيشٍ كامل.

 

كانت هياكل معدنية لناقلات وزوارق، بل وحتى طائرات، مصطفّة على شاطئ رملي، قد أكلها الصدأ بفعل مياه البحر المالحة. وقد اتّخذت البرنقيلات البحرية من بطون السفن وطائرات الإيرباص مأوى لها، بينما امتدّت أزقّة ضيّقة بين كل جثة فولاذية وأخرى. وكانت إشارة الـIP صادرة من مرآب منعزل قريب، عبارة عن مستودع معدني شُيّد جزئيًا داخل سفينة سياحية. على الأرجح، كان نوعًا من ورش التفكيك، يجمع ما يمكن انتشاله من تلك الحطامات ويعيد بيع أجزائها.

 

ظهرت سُحب ماطرة وسامّة في السماء الشمالية، لكن الغريب أنها كانت تتحرّك بعكس اتجاه الرياح، متّجهة نحو الميناء. هل كانت من فعل ديناميس؟ تدفع التلوّث بعيدًا عن مدينة الصدأ؟

 

عقد آتوم كات ذراعيه، وقد استعاد ذكرى قديمة. “قال لي والدي ذات مرّة إنه قاتل التشكيلة الأصلية للكرنفال قبل سنوات، قبل أن يتبنّى هو وأمي نارسينا. كان أوغستس لا يزال يؤسّس قاعدته آنذاك. لقد قتل نصف أعضاء الكرنفال، وأجبر الباقين على الفرار.”

 

وقد عادوا الآن لإتمام ما بدؤوه… ولو متأخرين.

 

“لكنني لم أسمع يومًا عن شخصٍ يتحكّم بالزجاج.”

 

“يتبدّلون كثيرًا، لذا قد يكون مجنَّدًا جديدًا،” ردّ رايان. وبالنظر إلى قدرته على التخفي، وحقيقة أنه يفضّل القتل عبر القنابل أو الوسائل العادية، فمن السهل على جينوم كهذا أن يظل غير مرصود… خاصةً إن كان يحرص على ألا يترك شهودًا. “لا أستطيع الاقتراب بالسيارة، ولا حمل أي جهاز بشاشة. أغلب الظن أنه يستطيع استشعار الزجاج والتحكم به ضمن دائرة واسعة.”

 

“واسعة إلى أي درجة؟”

 

“لا أدري،” ردّ رايان، وهو يرمي هاتفه في المقعد الخلفي، مع باقي الأجهزة الإلكترونية. لم يحتفظ سوى بالقنبلة النووية والأرنب القماشي المحشو. “وربما يعرف بوجودنا أصلًا.”

 

“حسنًا، سأبقى قرب السيارة، وإن لم ترسل إشارة خلال نصف ساعة، سأتصل بوايفرن لطلب المساعدة،” قرّر آتوم كات. “وماذا عن نظارات قناعك؟”

 

“يا غبي، ليست مصنوعة من الزجاج!” ردّ رايان وهو يلوّح بيده باستخفاف. “هذه مواد فضائية!”

 

“حسنًا، وذلك الشيء… هل هذا طحين؟” عبس آتوم كات وهو يتأمل أدوات رايان. “هل تنوي أن تخبز له كعكة؟”

 

“لن يتوقّعها أبدًا.”

 

ابتسم آتوم كات ابتسامة باهتة. “أعلم أنك لن تنصت، لكن أرجوك لا تفعل شيئًا غبيًا.”

 

“لا تقلق، لديّ من الأرواح أكثر من تسعك،” ردّ رايان، وهو يجمع أغراضه ويتّجه نحو المرآب.

 

مع ذلك، ما كان ليدّعي الاطمئنان. فأعضاء الكرنفال جينومات أقوياء، وذلك القاتل سبق أن أرداه قتيلًا مرّتَين. خطوة واحدة خاطئة قد تعني إعادة جديدة، وما بينه وبينهم من تاريخ كافٍ ليُشعل التوتّر في أعماقه.

 

ما إن بلغ الباب المغلق، حتى أدرك رايان أن الوقت مناسب تمامًا لمهمّة تسلّل. لكنه كان واثقًا تقريبًا من أن لا فائدة منها… ولم يكن يومًا من الصبورين أصلًا.

 

فاختار بدلًا من ذلك أن يطلق النار على القفل باستخدام مسدسه الكهرومغناطيسي، فاخترق المقذوف الفولاذ بسهولة. “لا مكان للعجائز[1]!” صرخ وهو يقتحم المرآب وسلاحه مرفوع.

 

لكن وعلى عكس ما في الفيلم، لم يكن بانتظاره أحد ببندقية خلف الباب. في الواقع، لم يكن في المرآب أي سيارة، أو محرك، أو حتى قطع غيار.

 

بل كان يضمّ صفوفًا من خوادم الحواسيب.

 

عشرات الخوادم في المجموع، موصولة ببعضها بطريقة مرتجلة، ومربوطة بمولّد كهربائي مستقل. كان هناك مكيّفان يعملان بأقصى طاقتَيهما لتبريدها، بينما امتدت الأسلاك عبر فتحة في الأرض، غالبًا ما تربط هذا النظام بكوابل ديناميس تحت الأرض. في الوسط، وُضع مكتب ضخم أمامه كرسي وحيد، تحيط به الشاشات من كل جانب.

 

كما لاحظ رايان أنه يستطيع رؤية مقبرة السفن من خلال النوافذ بوضوح، ومع ذلك لم يرَ أيًا من هذه الخوادم من الخارج. لا شكّ أن خدعةً بصريةً ما كانت تحجبها.

 

لا، هذا المكان لم يُنشأ مؤخرًا. لا بدّ أنه قضى أسابيع، إن لم يكن أشهرًا، في تجهيز هذا الملجأ الآمن.

 

اقترب رايان من الحاسوب، وكان يعرض شاشة توقف مملّة على خمس شاشات مختلفة. يبدو أنه اقتحم الموقع بعد أن فرّ القاتل الغامض وأوقف العملية.

 

أو… هكذا أراد له أن يظن.

 

من دون إنذار، جمّد الموصّل الزمن، فتح كيس الطحين، واستدار حول نفسه. نثر المسحوق الأبيض في كل اتجاه—على الشاشات، والنوافذ، والخوادم، والزوايا.

 

ظهر جذع بشري خلفه مباشرة، واقفًا في أحد الزوايا، وسيفٌ مرفوع يلمع جزئيًا وقد بدأ يتكشّف للعين.

 

ها أنت ذا.

 

كان الطحين قد ارتطم بشيء يشبه درعًا غير مرئي، فانتهز رايان الفرصة ليرسم على الصدر عبارة: “اقتلني، أنا منحرف.” وما إن عاد الزمن إلى مساره، حتى تجمّد الشكل في مكانه، ليجد فوهة المسدس الكهرومغناطيسي موجّهة إلى رأسه. “أمسكت بك، أيها الخفي الصغير!” قال رايان بفخر، “أو هل يجب أن أقول الخفيّة؟ لا أستطيع التمييز أبدًا.”

 

“سأتحرّك أسرع من إصبعك على الزناد،” ردّ الخفيّ، وكان صوته مكتومًا خلف بدلته الغريبة.

 

“هل نلعب لوكي لوك[2] الآن؟ أنا أسرع من ظلّي… بل أسرع من الزمن نفسه!”

 

“لا أظنّك توقِف الزمن فعلًا، تشيزاري سابينو، بل توهم الآخرين بذلك فقط،” ردّ بصوت هادئ تمامًا. “أو لعلّ اسمك الآن رايان رومانو؟”

 

“رايان،” أجابه الموصّل. حاول أن يميّز الصوت، لكن البدلة كانت تخنقه أكثر من اللازم. “لا أظنّ أننا التقينا من قبل، يا سيّد كرنفال.”

 

تنهد الشخص في ضيق وقد كُشف أمره. “التقينا من قبل… لكنك لم تكن تعلم بوجودي آنذاك.”

 

“آه، كنت أتساءل إن كنت مجنّدًا جديدًا، أم ورقة رابحة خفية،” تمتم رايان بتفكّر. وهذا يفسّر كثيرًا من نجاحات منظّمته، إن كان الكرنفال يحتفظ بعنصر خفي من هذا العيار. “وماذا يُفترض بي أن أناديك إذًا؟”

 

وإذ أدرك الجينوم الغامض أن القتال لن يبدأ ما لم يُشعل هو شرارته، قرّر أن يكشف نفسه بالكامل. كان جسده مغطًى بالكامل بزجاج أزرق لامع، من الرأس حتى أخمص القدمَين؛ مادة حجبت عن رايان كل ملامحه. لم يكن للدرع أي شكل مميز، وبدت ملامح الوجه مستديرة كدمية بلا ملامح… مما أضفى على المنتقم الغامض طابعًا مقلقًا.

 

أدرك رايان أن هذا الرجل لم يكن غير مرئي حقًا، بل يحاكي التخفي عبر انحناء الضوء حول درعه بطريقة ما—ربما باستخدام نفس التقنية المستعملة في العدسات الحركية. لم يكن الموصّل يتخيّل مقدار الدقة والتحكّم المطلوبَين لتنفيذ خدعة كهذه… رغم أنها لا تحميه من الدخان أو المطر.

 

هذا جينوم برتقاليّ من الطراز الثقيل.

 

“يمكنك أن تناديني بـشراوْد،” قال الرجل الزجاجي، مائلًا برأسه إلى الجانب. “وبما أنك لم تطلق النار عليّ في ‘زمنك المجمّد’، أفترض أنك تنوي الت—”

 

فرمى رايان كيس الطحين في وجهه.

 

وقف الخفي في صمت، وقد انزلق كيس الورق عن خوذته وسقط على الأرض؛ ووجهه الآن أشبه بوجه مهرّج، مغطىً بمسحوق الطحين.

 

“تصرف طفولي للغاية،” علّق القاتل، وهو ينفض الطحين عن خوذته.

 

حسنًا، لقد قتله مرتين… وهذا يمنح رايان كامل الحق في أن يكون تافهًا. “لا تلمني إن أبقيت سلاحي موجّهًا،” قال متحكّم الزمن، إذ إن سيف مضيفه الحالي ظل مرفوعًا على نحو يبعث على القلق. “لقد اغتلت كثيرًا من الناس مؤخرًا، وقتلك ما زال خيارًا مطروحًا.”

 

“أنت وإل ميليوري لا تخشيان شيئًا منّا،” ردّ الرجل وقد عقد ذراعيه. “أهدافنا الحالية هي الأوغُستي والمِيتا.”

 

“آه، إذًا أفترض أنك اخترقت نظام ديناميس… عن طريق الخطأ؟”

 

“فقط لنكشف المتسللين وسط شركتكم،” قال الجينوم بازدراء. “وبصراحة، أدهشني أنك تمكّنت من تعقّبي. كنت حريصًا جدًا على ألا أترك أي أثر.”

 

لكن رايان لم يكن في مزاج يسمح له بتثقيف من قتله مرّتَين. “لماذا قتلت زانباتو ورفاقه في الأرصفة؟”

 

“هل أسمع نبرة غضب في صوتك؟ اهتمامك يدهشني،” قال الجينوم الزجاجي وهو يتقدّم نحو الشاشات، متجاهلًا فوهة المسدس الموجّهة إلى رأسه، ثم جلس على الكرسي. “على حدّ علمي، لم يحصل أي تفاعل بينكما أصلًا.”

 

“ربما حصل، وربما لم أرَ حتى الآن ما يبرّر قتله. في الواقع، موقعه في التسلسل الهرمي منخفض جدًا، بحسب معرفتي.”

 

شبك الرجل يدَيه، وهيئة جلسته ذكّرت رايان بإنريكي مانادا. “هل تعرف ماذا كانوا يهرّبون في الأرصفة؟”

 

“حلويات؟”

 

“مواد كيميائية كانت في طريقها إلى مختبر القلعة التابع للأوغُستي في جزيرة إيسكيا، حيث يُنتَج مخدّر السعادة،” صحّحه شراوْد. “ثم يُهرَّب هذا المخدّر عبر القوارب والغوّاصات إلى موزّعين محليين في أنحاء إيطاليا، إسبانيا، فرنسا، تركيا، ليبيا… مخدّر بالغ الإدمان يستخدمه أوغستس لإخضاع المجتمعات، حتى وهي تكافح للنهوض من رماد الحروب.”

 

“مغزاك؟”

 

“مهما حاولوا الترويج لأنفسهم كعصابة حيّ ودودة، فإن الأوغُستي يتسبّبون في ضرر يفوق أي خيرٍ يدّعونه،” صرّح الجينوم. “وحتى إن لم يقتل أحدًا بيده، فإن زانباتو، بحمايته لهذه الشحنة، دعم بشكل غير مباشر منظمةً تحصد ما يقارب عشرين ألف ضحية سنويًا… ثلاثة آلاف منهم في روما الجديدة وحدها.”

 

“فإن كنت أفهمك جيدًا،” قال رايان وهو يسعل، “ستنهي العنف… بارتكاب المزيد منه؟”

 

على مستوى ما، بدا أن هذا المنتقم يدرك التناقض الأخلاقي في ما يقول، إذ ارتدّ إلى الوراء في كرسيه، وقد بدت عليه علامات التفكّر. لم يكن رايان قادرًا على قراءة لغة جسده من خلف الدرع، لكنّ التردّد كان واضحًا في حضوره.

 

“لا يعجبني هذا،” اعترف. “لا يعجبني أبدًا، بكل صدق. كنت لأفضّل أن نتحاور، أو أن يُزَج بالمجرمين في السجن. ومهما قال الناس، فإنك لا تعتاد القتل أبدًا. حتى زملائي في الكرنفال ينظرون بامتعاض إلى ما أقوم به.”

 

تساءل رايان إن كان الكرنفال بأكمله قد اخترق المدينة، أم أن شراوْد هذا ليس سوى طلائعهم، يمهّد الطريق لرفاقه. كان الجينوم يشكّ في أنه ليس العميل الوحيد في روما الجديدة؛ فالدمار الذي سبّبه لا يمكن أن يكون من فعل شخص واحد. “أشمّ رائحة ‘لكن’ قادمة.”

 

“لكن الوضع تدهور إلى درجة لن يزداد معها إلا سوءًا إن لم نفعل شيئًا. زعماء الأوغُستي قادرون على محاولة اغتيال شخص ما في وضح النهار، ثم يخرجون من الأمر بربتة على الظهر. لا حكومة تردعهم وتسجنهم، وديناميس تخشى أوغستس أكثر من أن تتحرّك فعلًا.”

 

كان لديه وجه حق، لكن حجّته كانت تنطوي على ثغرة واضحة. “حسنًا، بالتوفيق إذًا في محاولة قتل الرجل الذي لا يُقهَر. ليس وكأن الجميع قد جرّب ذلك لسنوات دون أن يحرز أي تقدّم.”

 

“قد يدعي أوغستس الألوهية، لكنه يظلّ في النهاية بشرًا… وعجوزا أيضًا. لا يمكنه أن يروّج مخدّره في الشوارع أو يجبي الجزية بمفرده. يحتاج إلى البُنى التحتية، والجنود، والمال ليبسط نفوذه؛ وإن جرّدتَ الملك من رعيّته، فلن يبقى سوى رجل يضع تاجًا على رأسه. قد نعجز عن هزيمة أوغستس نفسه… لكننا قادرون على تدمير الأوغُستي.”

 

“لكن لماذا الآن تحديدًا؟” سأل رايان، وكان حدسه يخبره بأن هناك شيء ناقص. “الأوضاع كانت شبه مستقرة، وأوغستس جالس على مؤخرته لا يتحرك. فلم العجلة الآن؟”

 

لم ينبس الرجل الزجاجي ببنت شفة لثوانٍ، وقد بدا عليه التردّد في كشف ما يعرف. لكنه في النهاية تكلّم.

 

“لا بدّ أنك لاحظت الأمر،” قال شراود. “هناك حرب تُخمَر بين فصائل هذه المدينة. كارثة وشيكة قد تشعل جولة جديدة من حروب الجينومات، وتُخلّف دمارًا أعظم، إن لم يُوضع لها حد.”

 

“آه، إذًا أنت أيضًا تسعى لتحقيق نهايتك المثالية؟”

 

“نهاية مثالية[3]؟” بدا أن شراود فهم الإشارة، ما أثار سرور رايان. “يمكنك قول ذلك، لكن لا وجود لنهاية مثالية، يا كويك سيف… بل فقط أفضل نهاية ممكنة لفئة معيّنة من الناس.”

 

كيف يُعقَل أن يكون الوحيد الذي يفهم مصطلحات ألعاب الفيديو هو نفس الرجل الذي قتله؟ لا عدالة في هذا العالم. “وماذا لو وُجدت طريقة غير دموية للإطاحة بالأوغُستي؟”

 

“هل لديك واحدة؟” سأل شراوْد، وفي صوته مسحة أمل. “لأني لا أرى أيّ حل في الأفق.”

 

“ليس هذه المرّة،” ردّ رايان. “لكنني سأجدها، أعدك بذلك.”

 

راح شراوْد يراقبه بصمت لثوانٍ، وعلى الأقل، بدا منفتحًا على الفكرة. “حسنًا، في حالٍ غير متوقّعة ونجحتَ فعلًا في إيجاد طريقة لتعطيل عمليات الأوغُستي من دون قتل أحد… نعم، سأقبل بها.”

 

جيد. على الأقل لم يكن من نوعية المُعاقِب[4] الذين لا تُجدي معهم محاولات الدبلوماسية. كان رايان يرى بالفعل المسار المثالي نحو لِين، والطريقة الأمثل لنزع فتيل الأزمة.

 

“وإلا، فسأطلب منك ألّا تفشي وجود هذا المكان… أو وجودي في روما الجديدة،” أوضح المنتقم. “ليس بيننا وبينك أو إل ميليوري أي عداوة؛ بل يسعدني التعاون في سبيل جعل روما الجديدة مكانًا أفضل، حالما يتم تطهير فريقكم من المخربين. لكن إن اخترت الانضمام إلى الأوغُستي أو المِيتا، فاستعد للمواجهة. فأنت جينوم قويّ بدرجة يصعب تجاهلها… ومن الأفضل إسقاطك في وقت مبكر.”

 

لزم رايان الصمت للحظة، وقد بدأت الصورة تتّضح في رأسه. “لست متأكدًا إن كان عليّ أن أشعر بالإطراء… أم بالغضب.”

 

“هل فكّرت في الانضمام إليهم؟” بدا صوت الجينوم مشوبًا بالفضول فحسب، لكن نبرته كانت تخفي شيئًا من التوتّر.

 

“مستحيل!” كذب رايان. صحيح أنه لن ينضم إلى المِيتا أبدًا، لكن مع ذلك… “مع هذا، أتساءل لماذا يروق لك ضرب الأوغُستي، بينما تترك ديناميس وشأنها؟”

 

“رغم عيوبها، تحاول ديناميس أن تعيد بناء مجتمع شبه فعّال،” أقرّ شراوْد على مضض. “تعاني الشركة من فساد مؤسّسي متجذّر، كما تشهد على ذلك مدينة الصدأ، لكنها تظلّ قوة استقرار في أوروبا، ويمكن إصلاحها ما إن يتقاعد هيكتور مانادا. لا يمكنني قول الشيء نفسه عن الأوغُستي… ودعنا لا نتطرق حتى للحديث عن المِيتا.”

 

راقب المنتقم رايان عن كثب. “شكرًا، بالمناسبة.”

 

“على ماذا؟ بياضك الناصع؟”

 

بدت على الجينوم لمحة من التسلية بسبب المزحة، لكنه بقي مركّزًا على صلب الموضوع. “أقصد شكرًا لإنقاذك ذلك الملجأ. لم أتبلّغ بالهجوم إلا بعد انتهائه، ولم أكن لأصل في الوقت المناسب. لم أتوقّع أن تستخدم قواك في أمر إيجابي، لكنني سعيد بأنك فعلت. وبصراحة، كنت أخشى أن تسلك طريق بلَدستريم… أو أن تلاحقنا انتقامًا.”

 

“كان مريضًا، وموته لم يكن سوى رحمة،” ردّ رايان. “ما لا يمكنني نسيانه أبدًا… هو أنه فصلني عن لين.”

 

لم ينبس الرجل الزجاجي بكلمة، وصمت ثقيل مشدود خيّم بينهما.

 

ضغط رايان فوهة المسدس على خوذة الرجل. “أنت تعرف مكانها.”

 

“أجل، أعرف.” وللإنصاف، بدا الجينوم هادئًا وواثقًا على نحو يثير الإعجاب، رغم فوهة السلاح الموجّهة إلى رأسه. “لقد رسمت خريطة لكل فصيل في هذه المدينة قبل أن أبدأ العملية. لكن في حالتها، المشكلة ليست في معرفة مكانها… بل في الوصول إليه.”

 

“أين هي؟”

 

لم يُجب الجينوم مباشرة، بل راح يزن كلماته. “لم تتواصل معك قط، طوال هذه السنوات.”

 

“لم تستطع،” ردّ رايان. “لم تكن تعلم أنني نجوت… بسببكم.”

 

“لطالما كنت صاخبًا في عروضك، وجريئًا في نشر اسمك الحقيقي. لا أصدق للحظة أنها لم تسمع بك طوال أربع سنوات.”

 

ارتعش إصبع الموصّل، وكاد يضغط الزناد. “وما الذي تلمّح إليه؟”

 

“الواضح،” أجاب شراوْد. “أنها لم تتواصل معك… لأنها لم تُرِد ذلك. وأظن أنك، في أعماقك، تدرك أن هذا هو التفسير المنطقي الوحيد.”

 

حدّق رايان من خلف قناعه، والنار في عينيه. “أنت لا تعرف شيئًا.”

 

راح يفكّر فيما سيفعله بهذه المعلومات. كان من الواضح أن الكرنفال يعمل في روما الجديدة كفصيل رابع—المسار الخفيّ في اللعبة. لكن تركيزه ظلّ منصبًّا على إيجاد لين، وقد بات يرى الطريق المؤدي إليها بوضوح. القاتل كان أكبر عقبة تفصله عنها… والآن، بات يعرف تمامًا كيف ينزع فتيل هذا الحاجز.

 

كان يراها بوضوح… النهاية المثالية التي تقوده إلى لين.

 

“لقد تم تعقّبك.”

 

رمش رايان وهو ينظر إلى شراوْد، وقد انتُزع من شروده فجأة. “عفوًا؟”

 

“لقد تم تعقّبك،” كرّر شراوْد، وهو يلمح إلى النافذة، حيث راحت زخّات المطر ترتطم بالزجاج من الخارج—ماء بلون أصفر مخضرّ، كان ينهش الزجاج عند لمسه، ويهجم حتى على الجدران المعدنية.

 

لا… ليس ماءً.

 

حمض.

 

مستحيل، لقد كان حذرًا في قيادته واستخدام هاتفه. إلا إذا…

 

“متعقّب الحمض النووي،” تمتم رايان وقد أدرك الحقيقة.

 

كان يعلم أنه كان عليه قراءة الشروط الدقيقة!

 

دوى انفجار في الخارج، معلنًا أن آتوم كات يخوض معركته للبقاء على قيد الحياة. ومن دون أن ينطق بكلمة، اختفى شراوْد عن الأنظار، وقد تساقط الطحين عن درعه إلى جانب المكتب؛ لا بدّ أنه غيّر تكوين طبقات الزجاج ليتخلّص منه.

 

رفع رايان سلاحه واستعد للاندفاع نحو الباب، حين سمع ضجّة عالية فوقه. شيء ما كان يزحف على السطح، متّجهًا نحوه.

 

ومن دون سابق إنذار، اخترق أحد المجسّات السلكية سقف المرآب، واندفع نحو رأس رايان.

 

☆☆☆☆☆

 

[1] لا مكان للعجائز: هو عنوان فيلم شهير. يتميز الفيلم بأجوائه المشحونة بالعنف والتوتر، ويحتوي على مشاهد أيقونية لاقتحامات وأعمال عنف مفاجئة، غالبًا باستخدام بندقية صيد. في هذا السياق، يستخدم رايان العبارة بشكل ساخر عند اقتحامه للمكان، ساخرًا من فكرة التسلل الهادئ ومُشيرًا إلى نمط المواجهات الدامية في الفيلم، رغم أن المفارقة هي أن لا أحد كان بانتظاره خلف الباب.

 

[2] لوكي لوك: شخصية كرتونية شهيرة من ابتكار الفنان البلجيكي موريس، عُرف بأنه “الرجل الذي يطلق النار أسرع من ظله”، ويظهر دائمًا في أجواء الغرب الأمريكي.

 

[3] النهاية المثالية: هو مصطلح شائع في عالم ألعاب الفيديو، ويعني إتمام مهمة أو مستوى معين في اللعبة بدون ارتكاب أي أخطاء أو فشل.

 

[4] المعاقب: هو اسم شخصية معروفة في عالم الكوميكس، وهو فرانك كاسل، الذي أصبح شخصية انتقامية بعد مقتل عائلته. يسعى “المُعاقِب” إلى تنفيذ العدالة بطريقة قاسية وعنيفة، دون التفاوض أو اللجوء إلى أساليب دبلوماسية.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset