النهاية المثالية: الفصل 129

البوابة والمفتاح

الفصل 129: البوابة والمفتاح

 

حين حدّق رايان في الهاوية البنفسجية… حدّقت الهاوية إليه بدورها.

 

وبينما كان يهوي داخل نفقٍ من الضوء البنفسجي، رأى المسافر عبر الزمن أصداءً بعيدة تتشكّل حوله. ومضت صورٌ في ذهنه كأنها لقطات خاطفة، ثم لحقتها الأصوات. عاش ذكرياتٍ من جديد… بعضها له… لكن ليس كلها.

 

تذكّر رايان ذلك اليوم الفاصل حين عثر هو ولين على إكسيرَيهما، واللحظة التي بدأ فيها كل شيء.

 

ولبرهة، صار هو لين؛ يشرب الإكسير في محاولة يائسة لشفاء أبٍ مريض.

 

وفي اللحظة التالية… كان امرأةً تحمل حلمًا، قُتلت على يد رجلٍ بلا قلب. عاش جريمة قتل جولي كوستا… مرةً كضحية، ومرةً كجلاد.

 

ثم صار شمسًا حيّة، يخوض المعركة الأخيرة من أجل العالم ضد جيوش عبقريٍّ مجنون لا تنتهي.

 

وتذكّر صنع الدمية، وولادته الثانية في موناكو… وحلقته المثالية الأولى.

 

وشاهد الهزيمة الأخيرة لبلدستريم عبر نصف دزينة من الأزواج المختلفة من العيون، فتوسّعت زاويته… واتسع معها الفهم.

 

وصار كاهنًا متحمّسًا للدفاع عن العالم باسم الرب… ثم صار العالم السوسيوباتي ذاته الذي دفع ذلك الكاهن إلى الجنون.

 

صار رايان كل هؤلاء وأكثر، وهو يمرّ عبر هذه الشظايا من الماضي. وبدت له سجادة الزمن اللامتناهية ممدودةً أمامه، تمنح التائه بصيرةً أعمق… ومعرفةً أثقل.

 

وخلال كل ذلك، كان قرينه البنفسجي يتبعه كظلٍّ… كمرآة. يقترب شيئًا فشيئًا من الأصل، لكنه لا يندمج به أبدًا. صديقان قديمان التقيا من جديد… لكن الوقت لم يحن بعد ليصيرا واحدًا.

 

ما زالت هناك مهمّةٌ أخيرة.

 

«أنا معك.» همس القرين بصوت رايان نفسه. كان إكسيرُه ماجينتا يسكن هذا الشبح، لا يفارق شريكه البشري لحظة. «فلنركله على مؤخرته.»

 

هبط رايان بخفة على قدميه… ليجد أوغستس في انتظاره، حائرًا مشوشًا.

 

بدا العالم البنفسجي للموصّل سهلًا أملس لا عشب فيه ولا حدود، أرضه البنفسجية مصقولة كمرآةٍ ملساء. وكانت السماء درجةً أفتح من البنفسجي، فراغًا جميلًا بلا غيوم… بلا ريح. وفوق رأس رايان، طفت كراتٌ لا تُحصى، موصولةً بشُفقٍ أخّاذ من التدفق البنفسجي. كانت الفقاعات الغريبة تعكس صور عوالم لا تُطاق فهمًا؛ أراضٍ تحكمها الديناصورات، ومدنًا بشرية وأخرى لكائناتٍ غريبة.

 

لم يستطع رايان عدّها، وكل واحدة منها تُري شيئًا مختلفًا. مكانًا آخر… وزمنًا آخر.

 

أبواب… أدرك الموصّل. بوابات إلى عوالم لا تُحصى، ومنافذ إلى ماضٍ مختلف، وحاضرٍ بديل، ومستقبلٍ محتمل. لم يستطع إلا أن يتوقف لحظةً مأخوذًا بجمال هذا المكان الغريب… هذا الكون الممتلئ بالاحتمالات بلا قيد. وأحنى المشهدُ روحه، إذ بدأ يدرك حقًا اتساع الأكوان المتعددة… وضآلة حجمه داخله.

 

“ما هذا المكان؟” كان الضوء الأحمر قد انطفأ داخل أوغستس، ولم يبقَ سوى تمثالٍ عاجيٍّ متشقق. حدّق في رايان بعينين جافتين، عميَاوين عن مهابة المكان. “ماذا فعلت بي؟”

 

قال رايان وهو يتقدم خطوةً نحوه: “أحضرتك إلى أرضي.” وبدا درعه فجأةً أخف من الهواء، فيما سار إكسيرُه البنفسجي خلفه كظلّه. “هذه  النهاية.”

 

“بالفعل.” رفع أوغستس يده محاولًا صعقه ببرقٍ إلهي… لكن لم تنطلق من أصابعه شرارة واحدة، لدهشته.

 

لم يستطع زيوس المافياوي أن يستمد طاقةً من العالم الأحمر هنا. ليس من دون الإذن المناسب. وعلى عكس رايان، لم يكن سوى دخيل… ضيفٍ ثقيل غير مرغوب فيه داخل عالمٍ صار وطنًا ثانيًا للمسافر عبر الزمن.

 

“هذا مفترق طرق… لكنك لا تقدر على كسر القفل.” قال رايان، والظلام يزحف على جلده. “أما أنا…”

 

اندلع التدفق الأسود من قلبه، من روحه ذاتها، فأحرق درع ساتورن عن جسده ولفّ كيانه كله برداءٍ من العتمة. صار رايان ظلًا له انعكاسٌ بنفسجي، ثقبًا أسودَ على هيئة إنسان. فراغًا حيًّا.

 

لم يكن درع ساتورن يومًا سوى مُضخِّم، يساعد رايان على تركيز صلته الشخصية بالعالم الأسود. لكن هنا… في هذا المكان؟ في هذا المفترق بين كل مكان وكل زمان؟

 

“أنا البوابة… وأنا المفتاح!”

 

كان رايان قادرًا على استدعاء ما يشاء من التدفق الأسود.

 

أظلم نصف رؤيته، إذ التهمت الطاقات المتناقضة عينه اليسرى المجروحة. وقطع الموصّل المسافة إلى خصمه في ومضة، وكأن الفضاء نفسه ذاب بينهما ولم يعد موجودًا. رفع أوغستس ذراعه اليسرى غريزيًا ليحمي رأسه، فوجه له رايان لكمةً بقبضةٍ من عتمةٍ صلبة.

 

شقّت أصابعه الظلّية الأدامانتين… كأنه زبدة.

 

اتسعت عينا أوغستس صدمةً، بينما سقط ساعده على الأرض البنفسجية تاركًا جدعًا خلفه. كان لحمه ودمه قد تكلّسا، وصارا صلبين لا يُقهران كجلده الخارجي… لكن أعصاب مؤخرة البرق ما زالت تعمل جيدًا، إن كان زئيره من الألم دليلًا. قبض على الجدع بيده الأخرى، وعيناه تتسعان بين الغضب… والرعب.

 

كان رايان ليفرح بما أنجزه… لولا أن حالته الراهنة كانت تؤلمه بقدر ما تؤلم أوغستس. شعر بجلده يتقشّر، تلتهمه أمواج التدفق الأسود. بدأت ساقاه وذراعاه تومضان كظلٍّ تحت شمسٍ حارقة. إن واصل على هذا النحو، فإما أن يسمو كظلٍّ حيّ… أو يتلاشى من الوجود.

 

“استسلم.” أمر الموصّل أوغستس.

 

لكنه لم يفعل.

 

“لقد تم اختياري.” اجتاح الجنون والغطرسة أوغستس، وانقلب خوفه من الموت إلى غضبٍ قاتل أحاديٍّ أعمى. وحين عجز عن صعق رايان بالبرق، رفع قبضته اليمنى في ضربةٍ قاضية بكل ما بقي لديه. كانت عينا مؤخرة البرق خاويتين من أي تفكيرٍ عقلاني؛ كراهيته طغت على غريزة بقائه، وعقله لم يعد قادرًا على تقبّل الهزيمة.

“لقد اختارني القدر!”

 

رفع رايان يده، وتبعه قرينه البنفسجي بالحركة نفسها، وسحق ذراع أوغستس اليمنى عند المرفق بضربةٍ خاطفة. سقط الذراع المبتور إلى جوار توأمه على الأرض البنفسجية، وأسقطه الألم على ركبتيه.

 

لقد فقد اليدين نفسيهما… اللتين سحق بهما رأس جولي كوستا يومًا.

 

سمِّ ذلك كارما.

 

وبينما ألقى قرينه البنفسجي نظرةً إلى البوابات المعلّقة فوقهما، خفّض رايان بصره نحو خصمه. من دون الهالة الكهربائية التي كانت تحيط به، انكشفت تجاعيد أوغستس—سواء تلك التي صنعها العمر أو التي خلّفتها المعركة—للعيان. تمثال الأولمبي الكامل تحلّل؛ طبقاته المصقولة باتت أشبه بزجاجٍ أماميٍّ محطم. ورغم أنه لم ينزف دمًا، لم يبقَ في جسد زعيم العصابة موضعٌ بلا صدع، أو حفرة على هيئة قبضة، أو لحمٍ معدنيٍّ مكشوف.

 

حدّق رايان في وجه هذا الجينوم القوي… فبدا عجوزًا، خائفًا تحت القشرة المتباهية. الوجه الذي بذل أوغستس جهدًا هائلًا لإخفائه عن العالم لم يكن وجه إله، بل وجه رجلٍ واهنٍ مُرّ، ارتكب مذابح لا تُحصى هربًا من موته المحتوم.

 

تحت كل ذلك القسوة وبريق القوة الإلهية، لم يكن أوغستس سوى حقيرٍ صغير، تافه… لا يستحق إلا الازدراء.

 

“استسلم!” صاح رايان، وقد غلُظ صوته بينما كانت حنجرته تومض بين الوجود والعدم.

 

لكن بعدما خسر كل شيء… لم يبقَ لأوغستس سوى كبرياؤه.

 

“المتسامي لا يستسلم!” زمجر.

 

وكان هناك متسامي حقيقي يصغي… وأعلن عن حضوره.

 

تبدّدت فقاعات البوابات، دُفعت بعيدًا بقوةٍ كونية غير مرئية. تموّجت الأرض الملساء تحت قدمي رايان كماءٍ راكد، وازداد وهج شُفق التدفق. ظلٌّ هائل غمر الاثنين، فرفعا أبصارهما إلى السماء الغريبة.

 

هبط الكيان الأسمى البنفسجي من عليائه.

 

لم يكن رايان قد لمح الكيان من قبل إلا لمحةً عابرة، أما الآن فقد كشف عن مجده الكوني كاملًا. كان الموصّل قد ظنه هرمًا مقلوبًا، لكن عن قرب بدا أعقد بما لا يُقاس. الشكل الهندسي أمامه كان كفيلًا بأن يُصيب إقليدس[1] بالصداع؛ طبقاتٌ فوق طبقات من الفضاء تنثني في لولبٍ مثلثٍ بنفسجيٍّ شاذ.

 

هذا الشكل… هذا الكيان الهندسي… لم يكن موجودًا، ولا يمكن أن يوجد على الأرض. عقل رايان البشري لم يستطع معالجة ما يرى. حاول أن يُدرجه ضمن أشكالٍ مألوفة، أن يقيس ما لا يُقاس… وفشل.

 

ملايين العيون غطّت ذلك المثلث الإلدرتشي؛ حدقاتٌ سوداء تعجّ بدواماتٍ مجرّية، وثقوبٍ سوداء كلّية الافتراس، وسُدُم، وظواهر كونية لم يكتشفها فلكيّو البشر بعد.

 

كل عين… كونٌ كامل، أدرك رايان. كان هذا الشيء هائلًا إلى حدٍّ يُؤلم الرأس لمجرد النظر إليه. وحتى أوغستس، المتغطرس دومًا، بدا مأخوذًا بالمشهد.

 

وتطلّعت عيون الكيان إلى الفانيين.

 

ابتلعهما وهجٌ شمسيٌّ من التدفق البنفسجي، مزّق العباءة المظلمة التي كانت تكسو رايان. اغتسل جسد الموصّل العاري بنورٍ متعدد الأكوان، جرّده من الألم… ومن الحواس… ومن العقل. طغت إرادة الأسمى على إرادته، وسمحت له أن يرى بعينٍ واحدة من عيونه.

 

أُعيد المسافر عبر الزمن إلى ما قبل الإنسان… ما قبل الحياة نفسها. شاهد مادّة سديمٍ تتكاثف، ونجمًا يولد ملتهبًا، وكواكب تتشكّل من غبار الفضاء حول ذلك الضوء السماوي المتوهّج. اصطدم كويكبٌ بصخرةٍ من صهارة، فتطايرت شظايا التحمت لتصنع تابعًا أصغر يدور إلى الأبد حول شقيقته الكبرى.

 

بردت النيران، فانبثقت القارات، وتكوّن غلافٌ جويٌّ من غازاتٍ متقلّبة، وتمدّدت محيطاتٌ شاسعة. برد الكوكب واستعمرته البكتيريا. ملأت الطحالب الأعماق، وتجرّأت كائناتٌ ذات أرجل على السير فوق اليابسة. غزت الحشرات السماء، ثم الزواحف الأرض… إلى أن أشعل صخرٌ آخر من السماء كل ذلك من جديد.

 

نهضت الثدييات من الرماد، أكبر وأذكى. سيطر رئيسيٌّ من القِرَدة على النار، وصنع الأدوات ليقهر العالم. تطوّرت سلالات البشر وتوحّدت، ثم تفرّقت إلى قبائل لا تُحصى. شيد بعضهم أهرامًا، وبنى آخرون معابد. قامت ممالك وسقطت… وسارت عائلتان على درب الزمن. أثمرت إحداهما رجلًا بحلمٍ عنيفٍ بالغزو، وأثمرت الأخرى طفلًا يعشق ألعاب الفيديو—وكلاهما اندفعا نحو تصادمٍ محتوم.

 

كل ذلك… قاد إلى هذه اللحظة.

 

«هذه ثانيةٌ واحدة بالنسبة لي.»

 

كان صوت الكيان الأسمى مختلفًا عن أي صوتٍ سمعه رايان. ترنيمة خفيّة لانثناء الفضاء، سيمفونية الزمن. جمالٌ يفوق الوصف… وهيبةٌ تُرعد لها الأرواح.

 

صوت أسمى حقيقي.

 

وحين انتهى الاتحاد، كان ألم رايان قد زال… ومعه التدفق الأسود. شعر بجلده نضرًا تحت الحديد، وقد عاد درع ساتورن كاملًا يحميه. والعين التي أعماها أوغستس صارت ترى من جديد—بل أوضح مما كانت يومًا.

 

لم يمنح الكيان الأسمى أوغستس الرحمة نفسها. ظلّ محطّمًا، عاجزًا. دخل مؤخرة البرق في صدمة، عيناه شاخصتان، وتلاشى تمرده المتغطرس.

 

«أنت لست أسمى.»

 

لقد رأى الرؤيا هو الآخر… والحقيقة حطمته.

 

«أنت لا شيء.»

 

انخفضت عينا أوغستس نحو الأرض، نظرةً فارغةً جوفاء. لقد بنى شخصيته كلها—إحساسه بذاته—على فكرة أنه متسامي بين البشر، مختارٌ بالقدر ليحكم ويقهر. شيد عائلته وعالمه على هذا الوهم البدائي، وانقضّ بعنفٍ على كل ما قد يناقضه.

 

لكن الكيان الأسمى جرّده من درع الأكاذيب بحقيقة ضآلته… فكسره كليًّا.

 

شيءٌ ما داخل أوغستس قد تحطّم… ولن يعود أبدًا.

 

لم يُعر الكيانُ الأسمى الجينومَ المهزوم أدنى اهتمامٍ يُذكر—كأنه ذبابة لا تستحق النظرة. وبدلًا من ذلك، استقرّت عيونه على رايان، فسحقته بثقل نظرتها العلوية.

 

جثا القرينُ البنفسجي للموصّل أمام الكيان، خاضعًا؛ إذ خضع الإكسيرُ للوجود الأقدم. لم يذهب رايان إلى هذا الحد، لكنه انحنى بأقصى ما استطاع. حتى الموصّل المستخفّ بكل شيء أدرك أنه يقف في حضرة متسامي حقيقي—وجودٍ متعالٍ يعلو البشر كما يعلون هم النمل. كيانٍ بقوةٍ لا يسبر غورها، وغريبٍ حتى عن مفاهيمهم.

 

“أنت الكيان الأسمى—” بدأ رايان، فقاطعه الكيان فورًا.

 

«أنا سيد زمان ومكان هذا العالم، قوتي عصية على الفهم، وإدراكي يبلغ ما وراء الأفق.»

 

“إذًا أنت تتحكّم بـ—”

 

«نعم.»

 

“وأنت تعرف مسبقًا ما—”

 

«أعرف ما قد تقول.»

 

تنحنح رايان بتوسّلٍ خجول: “حسنًا… هل يمكنك على الأقل أن تتظاهر بأنك لا تعرف؟ من المزعج أن تُقاطعني في كل مرة.”

 

دوّارٌ من التدفق البنفسجي التفّ أمام رايان، ثم تكاثف حتى اتخذ شكلًا صلبًا. كان الكيان الذي تشكّل بطول رايان تقريبًا—ولا يشبهه في شيءٍ آخر. ارتدى رداءً بنفسجيًا بدا كأنه منسوج من نسيج الفضاء ذاته، وتدفّقت من تحته كُتَلٌ رغوية من فقاعاتٍ متلاطمة. لم يرَ رايان وجهًا تحت القلنسوة؛ فقط ليلًا سماويًا وسُدُمًا دوّارة. ولم تكن للهيئة أذرع—ولا حاجة لها.

 

«هل يريحك هذا الشكل أكثر؟» سأل التجسّدُ الأحدث للكيان الأسمى، بصوتٍ يتردّد صدىً لصوت رايان نفسه.

 

ولسببٍ ما، كان هذا التجسّد يتحدث بالفرنسية.

 

“أفضل.” أجاب رايان، وبفرحٍ خالص لاحظ أن الكيان لم يقاطعه هذه المرة. لعلّه كان يعرف ما سيقوله الإنسان… لكنه تظاهر بأدبٍ بعدم المعرفة. ثم ألقى رايان نظرة على أوغستس، الذي ظلّ يحدّق في الأرض بحالةٍ نباتية. “وماذا عنه؟”

 

«لا يهم.» لم يلتفت تجسّد الكيان الأسمى إلى أوغستس حتى، بينما امتدّ الفضاء بين رايان وزعيم العصابة المحطّم. تراجع مؤخرة البرق إلى الوراء… حتى اختفى عن الأنظار. «تعال.»

 

انحنى الفضاء، وخرج من زاويةٍ عند حافة رؤية رايان كائنٌ مُرعب. رعبٌ بحجم حصان، جلده أبيض، ومئات العيون الحمراء تغطي جسده. له مجسّاتٌ قصيرة كساقين أماميتين، وأخرى أطول كساقين خلفيتين. ومن رأسه المنتفخ الملتوي نبت قرنان كهوائيّين يشبهان أذنين خزفيّتين طويلتين.

 

الدمية.

 

أو بالأحرى… الكيان الذي استولى عليها.

 

وعلى نحوٍ غريب، وجد رايان نفسه يراه لطيفًا—بطريقةٍ مُقزِّزة. مدّ الموصّل يده المدرّعة وربت على رأس الوحش، وخدشه خلف ‘الأذنين’. تلوّت مجسّاته طربًا، وتحولت عيونه الحمراء إلى زرقاء.

 

“شكرًا يا صديقي.” قال رايان، فردّ الرعبُ الإلدرتشي بصوتٍ يصلح لأن يكون مواءَ قطٍّ مختنق. “من أعماق قلبي.”

 

لقد أرعبت الكارثةُ الإلدرتشيةُ المسافرَ عبر الزمن مرارًا، لكنها—في النهاية—كانت صديقًا وفيًّا منذ اليوم الأول. صار رايان يراه بوضوح الآن.

 

“هل كان هذا شكلك الحقيقي دائمًا؟” سأل الموصّل، بينما كانت الدمية تهزّ مجسّاتها. فقد بدا ظلّها مختلفًا قبل بضع حلقات.

 

«هذا هو الشكل الذي اختارته.» قال الكيان الأسمى. ولاحظ رايان فجأةً أن صوته—رغم كونه صدىً لصوته—كان يخلو من أي نبرةٍ شعورية. كان الكيان يقلّد الكلام البشري كما يفعل ببغاء: يفهم الكلمات… لا موسيقاها. «وعليها الآن أن تعود إلى واجباتها.»

 

أدرك رايان فجأة أن وجود الدمية على الأرض لم يكن سوى عطلةٍ قصيرة.

 

لا عجب أنها قضت وقتها في نشر الفوضى والدمار!

 

“لديّ أسئلة كثيرة.” اعترف رايان.

 

«ولديّ إجابات.» ردّ الكيان الأسمى.

 

“شكرًا لك.” شكّ رايان في أن كثيرين يستطيعون الادّعاء بأنهم نالوا مقابلة مع أسمى خارجي—أو أقرب ما يكون إليه. “لقد قدتني منذ زمن. أولًا عبر يوجين-هنري، ثم عبر رسائل الراديو الزمني. وقبل كل شيء… أشكرك على ذلك.”

 

لم يُكلّف الأسمى نفسه عناء الإجابة. بدا بعيدًا… حاضرًا جسديًا، لكن كأنه ليس هنا حقًا.

 

سأل رايان بتردد:

“هل كان هذا مُقدّرًا سلفًا؟ هل جعلتَ هذه اللحظة حتمية؟”

 

هذه المرة، أجاب الكيان الأسمى:

«جعلتُ هذه اللحظة ممكنة. وأنت جعلتها حتمية.»

 

طفَت فقاعاتٌ من تحت رداء الكيان، وراحت تكبر حتى صارت بحجم كرات التنس. وحين دقّق رايان النظر فيها، لاحظ صورًا تتشكل على أسطحها.

 

«هذه مسارات كان بإمكانك أن تسلكها.» قال الكيان الأسمى، وهو ينظر إلى فقاعة تُظهر رايان يغادر روما الجديدة… لكنه مختلف. تحوّلت بدلته الكشميرية إلى خِرَقٍ ممزقة، وصارت عيناه زرقاء وبنفسجية.

 

قشعرّ جلد رايان حين رأى التعبير الخبيث على وجه قرينه في تلك الرؤية، لا سيما عندما لاحظ الطيور والغيوم متجمدة في الزمن فوق مباني روما الجديدة.

 

«في هذا الاحتمال، تُقامر وتأخذ إكسيرًا ثانيًا… فتغدو لعنة على أبناء جنسك.» شرح الكيان الأسمى، بينما أشاح القرين البنفسجي بنظره خجلًا. «بصفتك مُوقِف الساعة، تحوّل خلية البشر في روما الجديدة إلى كرةٍ زجاجية، ثم تمضي لتدمير ملايين الأرواح.»

 

سأل رايان بفزع، بينما كانت الدمية تخرخر عند ساقه:

“هل يحدث هذا الآن؟ في واقعٍ آخر؟

 

«لا.» أجاب الكيان الأسمى، فتنفّس رايان الصعداء. «بصفتك مُراقبًا، أنت تفردٌ في الزمكان. وهذا أحد أسباب عجز صديقتك عن التنبؤ بك.»

 

قطّب رايان حاجبيه خلف الخوذة.

“مُراقب؟”

 

تجاهل الكيان السؤال. طفت فقاعة أخرى أمام رايان، تُظهره هو وليفيا في تبادلٍ عنيف لإطلاق النار فوق أنقاض فيلا جبل أوغستس المشتعلة.

«في هذا الاحتمال المُطفأ، لا تثق أبدًا بصديقتك الحالية، وتبدأ حربًا معها للسيطرة على خطك الزمني. كل حلقة تكون أسوأ من سابقتها.»

 

تأمل رايان المشهد برهة… قبل أن تستوقفه فقاعة أخرى، تُظهره وهو يلكم صدر أوغستس، لتخرج يده من الجهة الأخرى.

 

«في هذا المسار، تقتل صانعها.”» قال الكيان الأسمى. «ورغم أنها لا تحاربك، تنكسر الرابطة بينكما. تغادر خلية البشر في روما الجديدة، وتعود إلى ترحالك… وحيدًا.»

 

أشارت الدمية إلى فقاعة أخرى، فرفع رايان حاجبه بدهشة. أظهرت الفقاعة الموصّل في السرير، محاطًا بنساءٍ عاريات، بينهن فورتونا، وياسمين، ويوكي، ونورا، وفامب، وكانسل…

 

“انتظر… هل هذه نهاية حريم؟” سأل رايان بفضول.

 

«في هذا الخط الزمني، تتخلى عن تكوين روابط ذات معنى مع نظرائك.» شرح الكيان الأسمى. «تعيش وجودًا بليدًا من لذّاتٍ بلا معنى، تُخدّر بها ألم قلبك بالمتعة الجسدية.»

 

لاحظ رايان فجأة غياب لين وليفيا عن المشهد، بما يعكس خواءه من أي عمقٍ يتجاوز الجنس الآلي.

“كان ينبغي أن أعلم أنه يبدو جيدًا أكثر مما يجب.” قال.

 

وبفكرةٍ واحدة، بدّد الكيان الأسمى الفقاعات.

«كل هذه اختيارات كان يمكن أن تتخذها، أو مسارات كان يمكن أن تُفرَض عليك لو وهن سعيك. لقد نبذتَ هذه الاحتمالات أو أطفأتها في سبيل مستقبلك المثالي. وإن كانت هذه اللحظة الراهنة قد وقعت، أيها الإنسان، فلأنك كافحتَ لتجعلها تتحقق.»

 

سأل رايان، وخوف الإجابة ينهش صوته:

“إذًا لديّ إرادة حرة؟ إن كانت مسارات متعددة ممكنة، فالأحداث ليست مُحددة سلفًا؟”

 

أجاب الكيان الأسمى:

«الإرادة الحرة لا تعمل كما يتصورها معظم البشر. يكون الخط الزمني في حالة تدفّق كلما اتخذ كائنٌ حيّ قرارًا. تقف قطة أمام مفترق طريق. يمكنها أن تسلك اليسار… أو اليمين. في تلك اللحظة الوجيزة، يتعايش الاحتمالان.»

 

تساءل رايان إن كان اسم تلك القطة شرودنغر… أو ربما يوجين-هنري.

“إلى أن تختار.”

 

«نعم. بعد ذلك، يصير أحد الاحتمالين حقيقة، ويُثبَّت كالحجر. يُكتب التاريخ. كلما حفظتَ وعدتَ بالزمن، كان الحبر قد جفّ بالفعل. كان البشر قد اتخذوا اختيارهم في تاريخٍ سابق، وسيعيدون الاختيار ذاته في كل التواريخ اللاحقة… ما لم يتدخل عاملٌ خارجي. تلك طبيعة السببية. وتلك طبيعة الزمن.»

 

حاول رايان استيعاب ما يترتب على ذلك. أشخاصٌ مثل أوغستس اختاروا ارتكاب جرائمهم كلها، وأمثال شروق الشمس اختاروا مساعدة الآخرين. الزمن لم يُبطل خياراتهم، لكنه—حالما اتُّخذ الخيار—لم يعد قابلًا للتغيير.

 

“إذًا نحن البشر نملك حرية الاختيار”، لخّص رايان، “لكن لا نملك حرية التراجع عنه؟”

 

يمكنهم كتابة قصة حياتهم… لكن لا يمكنهم تعديل المسودة الأولى.

 

أكّد الكيان الأسمى: «البشر الذين التقيتهم اختاروا أن يكونوا ما هم عليه. لكنهم لا يستطيعون اختيار أن يصبحوا شخصًا آخر. هذا الامتياز حكرٌ على من يوجدون خارج السببية: كائنات الأبعاد العليا، مثل الرُّسل. أولئك الذين لمسهم الأسود المتمرّد. وأنت.»

 

تذكّر رايان لقاءه القديم مع لين، حين شبّه نفسه بقط شرودنغر، موجودًا في حالاتٍ متعددة في آنٍ واحد. لكن بخلاف تلك القطة المسكينة المعذَّبة، كان الموصّل قادرًا على تقرير الحالة التي سينتهي إليها.

“إذًا… أنا استثناء؟”

 

«تمنّيتَ نقض سلسلة السبب والنتيجة لإنقاذ حياةٍ أخرى، فمنحتُك قدرة المُراقِب؛ القدرة على الوجود في واقعك الأدنى وفي عالمي البنفسجي الذي يتجاوز السببية. وبما أنك تستطيع التدخل في الاختيار الأصلي لكائنٍ حي، فأنت وحدك من يقرّر أي احتمال—أي واقعٍ كامن—سيصير التاريخ الحقيقي. أنت وحدك من يمنح الآخرين فرصًا ثانية. أنت السيّد الحقيقي لكونك، أيها الإنسان.»

 

قال رايان معتذرًا وهو ينظر إلى يديه المدرّعتين—وقد كانتا قد توقفتا عن الوجود قبل دقائق، مع عينه اليسرى:

“آسف… لا بدّ أن تنظيف مجرى الزمن بعدي كان عملًا شاقًا. تسببتُ على الأرجح في كثير من المفارقات عبر كل تلك الحلقات.”

 

«دوري هو الحفاظ على سلامة مجرى الزمن»، أجاب الكيان الأسمى، ثم ألقى نظرة على عين رايان اليسرى. «بعض أجزاء جسدك مُحيت إلى الأبد، فاستبدلتُها باحتمالٍ أقدم لها حين كانت ما تزال سليمة ولم يمسّها الأسود.»

 

“زرعٌ زمني؟” سأل رايان. “ثغرة لطيفة.”

 

«صرتُ أكثر كفاءة في سدّ الثقوب التي يصنعها الأسود، وإن لم أبلغ الكمال. هذه القوة—بحكم تعريفها—غير قابلة للضبط. خطأ غير متوقَّع في آلة الكون العظمى.»

 

قال رايان متسائلًا: “لكنني أتساءل عمّا كان سيحدث لو متُّ شيخوخةً، ثم حفظتُ قبلها بلحظات. كيف كان سيبدو ذلك من منظورك؟”

 

«كان الزمن سيعيد نفسه، حتى تبلغ السكينة والاستنارة»، أجاب الكيان الأسمى. «حينها كنتَ سترتقي إلى العالم البنفسجي، ويواصل التاريخ مساره من دونك.»

 

ومع ذلك، تساءل رايان كم دورة كان سيتطلّب الأمر… وأدرك فجأة أن الكائن أمامه لا يفهم مقدار الألم الذي كان سيحمله ذلك. فالكيان الأسمى يرى مليارات السنين كثانيةٍ واحدة؛ ومعاناة الموصّل قرونًا في حلقةٍ زمنية حتى يبلغ الاستنارة ما كانت لتترك أثرًا يُذكر لديه.

 

قال رايان بتردّد: “لديّ سؤالٌ آخر… ولا أريد أن أبدو ناكرًا للجميل.”

 

لم يُجب الكيان الأسمى، لكنه على الأرجح استبق السؤال.

 

“لماذا لم تساعدنا أكثر؟” رفع رايان نظره إلى الهرم الهائل. “أسقطت الزواحف—بحسب داركلينغ—وتستطيع التحكم بالواقع نفسه. فلماذا لم تمنع الخيميائية من تدمير كوكبنا؟”

 

أدار الكيان رأسه المقنّع نحو قدم رايان اليسرى. «هناك بكتيريا تزحف على طرفك. شكلها بيضوي، بسيتوبلازمٍ برتقالي ومجسّاتٍ زرقاء. رافقتك منذ وطئتَ روما الجديدة أول مرة، تتغذّى على الغبار فوق جلدك. خاضت حروبًا قاتلة ضد طفيلياتٍ من أجل الغذاء، ونجت من الإشعاع والبرق. يومًا ما ستنقسم. هل لاحظتها؟»

 

“لا”، اعترف رايان.

 

«البشر بالنسبة لي مستعمرةُ بكتيريا»، شرح الكيان. «أنا كبير… وأنتم صغار. ما لم أركّز، أو تُربكوا الخط الزمني، فلا أكاد ألاحظ أن كوكبكم موجود. واقعكم حبّة رمل في صحراء لا نهاية لها أشرف عليها. صبغة في نسيج أحلامي. ولو دخل هذا التجسّد الذي يعلو رأسك كونكم، لظهر بكتلةٍ تفوق مئة مليار كتلةٍ شمسية من مقاييسكم—أكبر من أعظم ثقوبكم السوداء.»

 

قال الموصّل: “يصعب عليّ تخيّل ذلك”. فعقلُه البشري لم يكن قادرًا على تمثيل هذا الفارق الهائل تمثيلًا صحيحًا. “إذًا نحن غير ذي شأنٍ لدى الكيانات الأسمى؟”

 

«البشر لا يهمّونني أكثر من الطيور التي تأكلها لتقتات، أو النمل الذي تسحقه تحت قدمك حين تمشي»، أجاب ببرود. «دوري هو حفظ مسيرة الزمن، وحدود الفضاء لتريليونات الأكوان.»

 

اختار قرين رايان البنفسجي هذه اللحظة ليتكلم: «مساعدةُ البشر مهمّتنا.»

 

قال الكيان الأسمى، وكأنما يضيف توضيحًا أخيرًا:

«أنا لا أبالي بالمخلوقات الفانية… لكنني لا أتجاهلها أيضًا. ولهذا أنشأنا—نحن الكيانات الأسمى—الرُّسل. لنرشد أشكال الحياة الأدنى نحو مستوى أسمى من الوجود.»

 

قطّب رايان حاجبيه.

“إذًا لماذا ساعدتني أنا بالذات؟ من بين الجميع؟ هل لأنك احتجتني لتدمير قاعدة الخيميائية؟”

 

«لا.» جاء الردّ ببرودٍ قاطع.

 

“فلماذا إذًا؟ لماذا ساعدتني لأصل إلى نهايتي السعيدة؟”

 

«لأنني اخترتُ ذلك.»

 

ومض شُفقٌ من التدفق البنفسجي في السماء، خيطٌ متلألئ يصل بين الزمان والمكان.

 

أدرك رايان الحقيقة فجأة.

“أنت مثل أولئك الذين يتبنّون كلابًا جريحة يعثرون عليها على جانب الطريق. لا تسعى لمساعدة الجميع عن قصد… لكن إن عبر متألم طريقك مباشرة، وتوسّل إليك—أحيانًا… تجيب.”

 

لم يردّ الكيان الأسمى.

 

في النهاية، لم يكن خيرًا ولا شرًّا كما يفهمهما البشر. كان شيئًا باردًا… غريبًا…

 

لكنه قادر على تعاطفٍ غيريّ أيضًا.

 

لم يشعر رايان بالغضب ولا بالرضا من هذه الإجابات. لم يكن بوسعه سوى تقبّلها. فبرغم برود الكيان الأسمى وبعده، لم يكن خبيثًا، وقد ساعد إنسانًا بائسًا على بلوغ نهايته السعيدة دون أن ينتظر مقابلًا. ولهذا… سيظل الموصّل ممتنًّا له دائمًا.

 

بقي سؤالٌ أخير.

“إذًا… كيف تنتهي هذه القصة؟”

 

«كما تشاء.» قال الكيان الأسمى، وهو يلقي نظرةً على الدمية وتجسّد ماجينتا.

«يمكنك البقاء هنا وتصبح واحدًا منا. ستنال قوةً هائلة… ومسؤوليات. ستشرف على مجاري الزمن، وتسافر عبر وقائع لا تُحصى. وستُفتح أمامك خيارات كثيرة. ويمكنك أيضًا دخول العالم الأسود، إن كنت تطلب حريةً أعظم.»

 

فكّر رايان في العرض. كان مغريًا… لكنه لم يكن ما قاتل من أجله.

“أو…” تردّد قليلًا. “أو يمكنني العودة إلى الأرض.”

 

«يمكنك ذلك.» أقرّ الكيان.

 

اتجهت أفكار رايان إلى ليفيا ولين.

“هناك شيء لم أختبره قط، طوال سنوات ترحالي. شيء سعيتُ إليه زمنًا طويلًا.”

 

وللمرة الأولى في الحوار كله، نظر الكيان الأسمى إلى الإنسان بما يشبه الفضول.

«وما هو؟»

 

كان يعرف الجواب… لكنه لا يفهمه.

 

قال رايان بهدوء:

“أن أعيش حياةً سعيدة… مع أصدقاء يمكنهم أن يتذكروني.”

 

انخفضت هوائيّات الدمية بخيبة أمل، فسارع رايان إلى طمأنتها:

“لا تفهميني خطأ. كنتُ سأقبل بسعادة أن أنضمّ إلى هذا الفردوس وأجوب الكون معكم جميعًا… لكن ليس الآن. ليس اليوم.”

 

صمت الكيان الأسمى لحظة، ثم قال:

«سيبقى باب الارتقاء مفتوحًا. إن قررت يومًا الانضمام إلينا بدل إعادة الزمن، فسأقتلعك من خطك الزمني وأرحّب بك في مملكتي. وإلا، فستبقى حرًّا في دخول العالم الأسود. لقد استحققتَ الارتقاء، أيها الإنسان، لأنك تعلّمت استخدام قوتك بحكمة. الآن… وإلى الأبد.»

 

نظر رايان إلى قرينه البنفسجي، ثم إلى دمية الأرنب التي تعلّق بها على نحوٍ غريب.

“إذًا… هذا وداع؟”

 

ابتسمت نسخته قائلةً بدفء، فيما أطلقت الدمية زقزقةً خافتة:

«لا يا رايان. نحن معك دائمًا، حتى وإن لم ترنا. ألا تفهم؟ أنت لست وحيدًا أبدًا… ولن تكون.»

 

وكان ذلك—على نحوٍ ما—كل ما أراده رايان يومًا.

 

قال الكيان الأسمى:

«سأعيدك أنت وصانع حبيبتك إلى خطكما الزمني. وسأزيل اتصالَك الفطري بالعالم الأسود أيضًا. فالكيان الأسود الأسمى متهوّر في كرمه، وإن تُرك هذا التناقض ينمو داخلك أكثر، فسيزعزع واقعك.»

 

قال رايان بهدوء: “أظنّ أن هذا عادل.” فقد منحه الكيانُ الأسود هذه الهبة لأنه كان يتمنى الموت… لكن الآن—

 

الآن تعلّم رايان كيف يعيش.

 

انهار التجسّد الأصغر للكيان البنفسجي صامتًا إلى تدفّقٍ بنفسجي، وغمر رايان بنوره الإلدرتشي. قفزت الدمية مبتعدةً وهي ترسل نظرة وداعٍ أخيرة إلى صديقها القديم، ولوّح ماجينتا لقرينه. ردّ رايان التحية بإشارةٍ مماثلة، وهو يعود إلى واقعه.

 

بعد ثانيةٍ واحدة، وجد الموصّل نفسه واقفًا على شاطئٍ فرنسي بعتاده الكامل من درع ساتورن، وإلى جانبه أوغستس مكسورًا بلا ذراعين. رفع رايان رأسه فرأى شمسًا تُضيء الليل—شمسًا على هيئة رجل.

 

نظر ليو هارغريفز إلى الموصّل بارتياحٍ صامت، ثم إلى عدوه القديم المحطّم. كان في نظرته مزيجٌ متساوٍ من الشفقة والرضا؛ شيءٌ يخصّ شروق الشمس.

 

قال ليو: “كنتُ قلقًا عليك.”

 

ابتسم رايان تحت خوذته: “ألم تسمع؟ أنا خالد.”

 

استغرق عودتهما إلى إيطاليا معًا حتى الفجر—الفجر الحقيقي. حمل رايان أوغستس المحطّم بين ذراعيه. وبحلول ذلك الوقت، لم يبقَ من مصنع مُخدّر السعادة في جزيرة إيسكيا سوى أنقاضٍ مشتعلة، وكان حلفاء الموصّل قد أخلوا الأسرى إلى الميناء القديم لروما الجديدة.

 

وحين بلغ رايان وشروق الشمس المكان، وجدا مئات الأشخاص مصطفّين على الأرصفة قرب غواصات النقل. كانت فورتونا وفيليكس قد لفّا نارسينا ببطانيةٍ دافئة، فيما كان السيد ويف يسلّي الطفلة المصدومة بحكاياتٍ مسلية. رافقت لين وأعضاء عصابة الميتا المُصلَحين الأولمبيين المقيّدين. وسارت فينوس المربوطة خلف زوجها، يدفعهما إلى الأمام جيمي ولانكا.

 

لقد اتّخذ الاثنان الخيار الصحيح في النهاية.

 

وصلت فولكان ووايفرن برفقة ضباطٍ آخرين من أتباع الأوغُستي المعتقلين—لا كأعداء، بل كحلفاء متحفّظين. ورافق إنريكي وأفراد الأمن الخاص رجال العصابات نحو غواصات لين، التي ستنقلهم إلى سجنٍ تحت البحر لا فكاك منه.

 

ومع ذلك، ورغم وضعهم القاتم، ظلّ الأولمبيون واثقين. كانوا يؤمنون بأن قائدهم الذي لا يُقهَر سيُمطر الدمار على من تجرأوا على الوقوف في وجهه، وسيعود لينقذ أتباعه الأوفياء.

 

لكن ظهور رايان بدّد آمالهم. حين رفع الأوغُستي رؤوسهم ورأوه يحمل سيّدهم المهزوم بين ذراعيه، مضاءً بنور ليو هارغريفز، لم يجدوا سوى الصدمة والإنكار. كادت عينا وايفرن تبرزان من محجريهما، فيما منح إنريكي رايان إيماءة احترامٍ هادئة. لم تُخفِ لين ارتياحها لرؤية أخيها بالتبنّي حيًّا، وحتى بيانكا ابتسمت من الأذن إلى الأذن.

 

ألقى رايان أوغستس المهزوم على الأرض من دون كلمة. لم ينهض سيد الحرب المحطّم بعد أن اصطدم بالإسفلت؛ فقد تحطّمت إرادته. وحين رأى الأولمبيون قائدهم الذي لا يُقهَر وقد سُحق على هذا النحو، فقدوا ما تبقّى لديهم من رغبةٍ في القتال. خفضوا رؤوسهم في هزيمةٍ صامتة، وساروا نحو مصيرهم.

 

انتهت الحرب.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين وإخواننا في السودان وجميع المسلمين المظلومين والمقهورين في العالم. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية عبادك المسلمين وانصرنا على الأعداء.

 

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

 

[1] إقليدس (أو إقليدس السكندري) هو عالم رياضيات يوناني عاش في مدينة الإسكندرية بمصر حوالي عام 300 قبل الميلاد. يُلقب بـ “أبو الهندسة”، ويُعتبر أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ العلوم والرياضيات.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset