النهاية المثالية: الفصل 116

العلاج الزوجي

الفصل 116: العلاج الزوجي

 

منذ خمسةَ عشرَ عامًا، كان وجودُ السايكو جزءًا من واقع الحياة.

 

زار رايان خلال عمره الطويل مئاتٍ، بل آلافَ المجتمعات، وكلّها تقريبًا تروي القصصَ نفسها: وحوشٌ مسعورةٌ تهاجمهم ليلًا، متحوّلون يختبئون في المجاري، غزاةٌ يعتدون على حرّاسهم الجينوم، أو حمقى يحاولون تقليد أوغستس… ولا يبلغون شيئًا.

 

تسبّب السايكو في مقتل الموصِّل مرارًا، محتلين المرتبة الثانية بعد حوادث السير مباشرة. كان أبوه بالتبنّي، بلَدستريم، صاحبَ موته الأول، وما زال مجرد تذكّره يسبب له صداعًا حتى اليوم.

 

لم يكن أحدٌ ليتخيّل عالمًا بلا سايكو…

 

حتى هذا اليوم.

 

كان المختبر المُعاد تأهيله في محطة أورفيون أكثر إشراقًا ودفئًا بكثير من مختبر الخيميائية، جدرانه بيضاء، وأضواءٌ ناعمة تتدلّى من السقف تبعث ضياءً مريحًا، ورائحةُ القهوة الصباحية العذبة تملأ المكان. تجمّع فريق رايان من العباقرة — القصيرة، وألكيمو، وستيتش — خلف لوحات التحكّم والحواسيب المطنطنة. أما الباندا، فكان منهمكًا في تنظيف حوضٍ ضخمٍ في الزاوية الشمالية بمطهّرٍ ومعقم، على سجيّته السعيدة المعتادة.

 

كان الجميع يستعدّون لتجربةٍ قد تغيّر وجه العالم إلى الأبد… إلا أن المريضة لم تشاركهم حماسهم.

 

“لا أريد الدخول إلى هناك.” تمتمت سارين، تقف إلى جانب رايان وذراعاها مطويتان. “ابحث عن طريقةٍ أخرى، أيها المهووس.”

 

“لا توجد.” أجاب رايان، وهو يدرك في قرارة نفسه أنه لا ضمان لنجاح العملية أصلًا. صحيح أنهم نسخوا بيانات أبحاث الخيميائية قبل تدمير مقرّها، لكنهم لم يرثوا ثراءها من التقنية الفضائية. “هيا، لقد قاتلتِ كائناتٍ فضائية، والآن تخافين من أنبوبٍ زجاجي؟”

 

بدلًا من أن تطيح به، أطلقت سارين تأفّفًا خافتًا. “ليس الخوف من الحوض.” قالت. “بل من…”

 

“الخروج من البدلة؟” خمّن رايان، متجنّبًا أي مزاحٍ أو وخزٍ ساخر. لقد عانت المرأة سنواتٍ من حالتها، لا تشعر بشيء، ولا تعرف معنى اللذة أو المتعة. السخرية من ذلك — خصوصًا الآن — ستكون كمن يركل مريضًا بالسرطان.

 

هزّت سارين رأسها. “لا يهم.”

 

“لو لم يكن يهم، لما ذكرتِه.” قال رايان. “تعلمين، أنا معالِجٌ معتمَد وشاهدتُ كلّ شيء. إن أردتِ الحديث، فأنا هنا.”

 

قهقهت ساخرة: “لستُ كأميرتك. لا أحتاج إلى فارسٍ أبيض. أتظنّني ضعيفة إلى هذا الحدّ؟”

 

“لا أراكِ ضعيفة، بل وحيدة.” لم تُجب السايكو، لكن وقفتها كانت كافية ليدرك أنه أصاب الهدف. “وحتى ذلك صار من الماضي. أعني، أمضينا أوقاتًا ممتعة: اقتحام معابد المخدّرات، استكشاف القارّات الجديدة، تحرير الحكومة من الزواحف والمتنورون…”

 

“كانت رحلةً طيبة.” أقرّت السايكو، محوّلة نظرها إلى العباقرة المنهمكين أمام حواسيبهم. “وها أنت تفي بوعدك، وهذا أكثر مما أستطيع قوله عن آدم. لستَ وغدًا مثله.”

 

“أرأيتِ؟” قرّر رايان أن يشارك شيئًا من حكمته المتراكمة عبر قرون السفر الزمني. “احتباس المشاعر داخلكِ لن يشفيكِ من مخاوفكِ وهواجسكِ. إما أن تنفتحِي على الآخرين، أو تجدِي وسيلةً لتنفيس الضغط. وإن اخترتِ الثانية، أقترح أن تُفرغي غضبكِ على غول.”

 

“أفضل أن أضرب آدم.” أجابت سارين، ثم رفعت يديها وحرّكت أصابعها. كانت الحركات غير طبيعية، كأن غازًا يدفع القماش من الداخل. “في كل مرة أخلع الدرع، أخشى أن أتبعثر مع الريح. أن أمتدّ أميالًا، وأن يتلاشى وعيي مع المسافة. لا يمكنك تخيّل ذلك الإحساس، أيها المهووس.”

 

“لا، لا أستطيع.” اعترف الموصِّل. “لكنّكِ غادرت بدلتك مرّةً من قبل، حين نفّذنا مداهمة الإف بي آي في إيسكيا.”

 

“أعلم أن التجربة آمنة قدر الإمكان طالما أنك موجود.” تنهدت سارين. “لكنّي ما زلتُ أشعر بالضعف… وأكره ذلك.”

 

شبك رايان ذراعيه، تأمل لحظةً ما سيقوله، ثم نطق بكلمةٍ واحدة:

 

“بيانكا؟”

 

ارتجفت سارين عند سماع اسمها الحقيقي، كأنها نسيته تمامًا.

 

“أن تكون ضعيفًا… ليس أمرًا سهلًا أبدًا.” قال رايان، يبحث عن العبارات المناسبة. “خصوصًا حين يتعلّق الأمر بالآخرين. بعد أن نبني حول أنفسنا جدرانًا سميكةً ومتينة، يصعب جدًا أن نهدمها.”

 

قهقهت سارين. “سهلٌ عليك قول هذا، أيها الرحّالة الزمني.”

 

“ليس التلاعب بالزمن عكّازًا مثاليًا كما يبدو.”

 

في تلك المرحلة، كان رايان قد قرّر أن يكون صريحًا مع كلّ من لم يعرف بعد سرّه من الفريق. كانت سارين الأولى، لكنه كان ينوي التحدّث أيضًا إلى فيليكس، وبالأخص إلى السيد ويف. فالأول بدأ يشكّ أصلًا، وأما الثاني…

 

فرايان يدين له بأكثر من حبّه للكشمير.

 

“تعلمين، عندما كنتُ مع ليفيا…” تنفّس رايان بعمق قبل أن يتابع بصدق. “كنتُ أخافها في البداية. قلائل جدًّا من الأشياء أخافتني منذ اكتسبتُ قدرتي، لكنها كانت تتفوّق على جميعها. كانت تتذكّر.”

 

“وكانت قادرةً على قتلك للأبد.” خمّنت سارين. “أو رميك بوالدها؟”

 

“ذلك… وما هو أسوأ.” اقشعرّ بدنه وهو يتخيّل ما كان بوسع ليفيا فعله لو ورثت شيئًا أكثر من والدها الصاعق. “لأول مرة منذ سنين طويلة، اضطررتُ إلى أن أكون صادقًا مع شخصٍ ليس أعزّ أصدقائي. كدبٍّ محشورٍ في كهفه. كان… كان الأمر صعبًا. أعني، صحيح أنها الآن السيدة الأولى، لكن كان يمكن بسهولة أن تكون لي هارفي أوزوالد[1] خاصّتي.”

 

“من؟” سألت سارين ببرودٍ تامّ، كاشفةً عن جهلٍ ثقافيّ مطبق.

 

ذلك السؤال الساذج كان برهانًا على أن أيّ شخصٍ يمكنه أن يصبح نائبَ رئيسٍ في حكومة رايان هذه الأيام، وهو أمرٌ اعتبره وسام شرف. كان الموصِّل فخورًا بانفتاح حكومته وشمولها للجميع.

 

“كلّ ما في الأمر أنني لم أستطع الوثوق بليفيا إلا بعد زمنٍ طويل، والأطول أن أشعر بالارتياح بجانبها.” واصل الموصِّل شرح فكرته. “ناضلنا لتخطّي الخوف من بعضنا، لكن النتيجة كانت تستحقّ. كل الألم والخوف قادا إلى شيءٍ أجمل. هل تفهمين ما أعنيه؟”

 

“لا.”

 

“حسنًا، إذًا حظًا سعيدًا بمفردك.”

 

ضحكت سارين. “جديًّا، فهمتُ قصدك.” قالت. “سيأتي اليوم الذي يجعل كلّ الجهد والمعاناة يستحقّان العناء. ربما أصاب بالسكري في جسدي الجديد.”

 

“الجينومات لا يُصابون بالسكري.” قال رايان شاردًا.

 

“كانت حياتي سلسلةً طويلة من الإحباط والخيبات، أيها الذكيّ اللعين.” كاد يتذوّق المرارة في نبرتها. “حتى قبل آدم. في كل مرة أظنّ أن الأمور ستتغيّر، تُخيّبني الحياة من جديد.”

 

“ليس بعد الآن. القفز بالإيمان يبدو صعبًا، لكنه مجزٍ في النهاية.”

 

“حقًّا؟” قالت بسخريةٍ متعبة. “تعرف، وافقتُ على مرافقتك في هذه المهمّة الغبية لأن جزءًا منّي كان يأمل أن للخيميائية خطّةً من أجلنا. أن ما مررتُ به كان له معنى. لكن في النهاية، كنتُ مجرد خردةٍ تجريبية.”

 

“هكذا هي الحياة. لا غايةَ لنا فيها، ولهذا نحن أحرار تمامًا.” قال رايان. “أحرارٌ في أن نتغيّر، وأن نعيش كما نشاء.”

 

“أتدري ما الأسوأ في كلّ هذا، أيها المهووس؟” قالت بحزن. “لقد أمضيتُ عمرًا أبحث عن علاج، والآن لا أدري ماذا سأفعل بحياتي إن نجحتَ في فكرتك.”

 

“يمكنكِ البدء بخدمة المجتمع. عملتِ مع آدم لسنوات، وعليكِ دينٌ طويل للناس.”

 

“سأترك السيرك لفتى الانفجارات.” نظرت سارين إلى الحوض، ترى انعكاس قناعها الغازي على الزجاج. “وماذا عنك؟ ما الذي ستفعله بعد أن تنتهي من تنظيف كلّ فوضانا؟”

 

“لستُ متأكدًا بعد.” قال رايان، وهو يشاركها الغموض ذاته؛ لم يخطّط لشيءٍ بعد إنهاء نهايته المثالية. “في البداية، كنتُ أظن أنني سأقود سيارتي نحو الغروب بحثًا عن مغامراتٍ جديدة… على أمل أن تجلس القصيرة في المقعد الخلفي.”

 

“وإن غادرتَ روما الجديدة، هل هناك مكانٌ لراكبٍ إضافي؟ سيارتك ليست كبيرة.”

 

“دائمًا لديّ مكانٌ لأتباعٍ جدد.” أجاب رايان. “لكن بشرطٍ واحد: أن تناديني «سيدي الرئيس» أمام الناس.”

 

“لا تتمادَ.” ردّت سارين بابتسامةٍ خفيفة، بينما خرج الباندا من الحوض اللامع.

 

“ما الأخبار يا دكتور؟” سأل رايان تلميذه.

 

“كلّ شيءٍ على ما يرام، سيفو!” أجاب الباندا رافعًا كفّه في حماس. “حتى إنني عقّمتُ فرائي من الجراثيم أيضًا!”

 

ترددت سارين بضع دقائقٍ أخرى، قبل أن تقرّر أخيرًا أن تثبّت إيمانها بالقفزة. فتحت بدلة الحماية، وتركت جسدها الغازي يتسرّب إلى الخارج. سحابةٌ من المواد الكيميائية الغريبة خرجت من البدلة، وانسابت نحو الحوض.

 

“سيكون كلّ شيءٍ على ما يُرام يا بيانكا.” وعدها رايان، وهو والباندا يغلقان الباب الزجاجي خلفها. “هذه المرة سينجح الأمر… أعدكِ.”

 

اتخذت السحابة الغازية شكلًا شبه بشري لوهلة، ثم تلاشت إلى ضبابٍ بلا ملامح.

 

“طبعًا سيكون على ما يُرام.” تمتم ألكيمو متذمّرًا، فيما كانت لين تكتب أوامرها على لوحة التحكّم. “جعلتنا نعمل ليلًا ونهارًا على هذا المشروع، أيها المستعبِد ذو اللحم والعظم.”

 

“ويمكنني الاستمرار على هذا الإيقاع أسابيعَ كاملة.” ردّ الطبيب ستيتش بحماس. “هذا سيغيّر كل شيء.”

 

“نحن جاهزون للبدء، ريـري.” قالت لين وهي تكاد لا تستقرّ في مكانها. لا شكّ أنّ في داخلها أملاً خافتًا بأن نجاح التجربة قد يفتح بابًا لعلاج والدها أيضًا.

 

أومأ الموصِّل موافقًا. فتنشّطت الكابلات الموصِلة بين الحواسيب والحوض، وأطلق مصباحًا بلاستيكيًا ضوءًا أزرق فوق جسد سارين الغازي.

 

كان الباندا، بفضل مجالاته العلمية المتعددة، قد نجح في ترجمة لغة التدفق الخاصّة بالإكسير، اعتمادًا على ملاحظات الخيميائية. وكانت العملية بسيطةً نظريًا: سيستخدم الفريق منظومةً مشتقّة من “الراديو الزمني” لإرسال إشاراتٍ إلى إكسيرَاتِ سارين، توجّهها لإعادة كتابة حمضها النووي وفق نموذجٍ جديد — نموذجٍ يعتمد النسبة الجينية لليفيا بين الإنسان العاقل(الهومو سابينس) والنياندرتالي، بحيث يُفصل جانب السايكو عن بنيتها الوراثية الطبيعية.

 

“ما يقلقني هو عقلها.” قال الطبيب ستيتش. “تعديل جسدها على هذا المستوى العميق سيمنحها دماغًا جديدًا بالكامل.”

 

“ستتذكّر.” أجاب ألكيمو بلامبالاةٍ غريبة.

 

وفي الواقع… كانت ستتذكّر كل شيء.

 

“عندما ترتبط الإكسيرَات بنا، فإنها ترى أفكارنا ورغباتنا، وتحوّلها إلى تدفّق.” همس رايان متذكّرًا ما قرأه في بيانات الخيميائية. “إن الجينومات الحقيقية تعيش على مستويين: البيولوجي… واللامادي.”

 

كان عليه أن يدرك هذا من قبل. فبين كل من في الغرفة، هو وحده الكائن الموجود في مكانين وزمنين معًا — دماغان تفصلهما مجاري الزمن، لكنهما يتشاركان وعيًا واحدًا. لم تعُد خلاياه العصبية هي مقرّ عقله الكامل.

 

وإذا كان وعي المضيف موجودًا جزئيًا في هيئة تدفّق، فهذا يفسّر حالاتٍ مثل السيد ويف، وشروق الشمس، وغايست، وسارين على وجه الخصوص. ومع الوقت، ينمو ذلك الوعي الأثيريّ في الحكمة والقوّة، حتى يصير عظيمًا أكثر مما يحتمله جسدٌ من لحمٍ ودم.

 

فيتسامى إلى شكلٍ أرقى من الوجود.

 

وبما أن رايان احتفظ بنسخةٍ من البنية الجزيئية لبيانكا منذ حلقة عصابة الميتا، فقد صار بإمكانهم الآن أن يطلبوا من إكسيرَاتها أن تعيد تشكيل ذاتها الحاضرة بناءً على تلك البيانات. ستستعيد سارين ذكرياتها المفقودة وهي تخوض التحوّل… إن حالفهم الحظ.

 

“نلتقط إشارة.” قالت لين، والمصباح يبدّل لونه من الأزرق إلى الأحمر، ثم إلى البرتقالي فالأصفر. “الإكسيرَات تتواصل.”

 

“هل يمكنك تشغيل مكبّر الصوت؟” سأل رايان، وقد أثارته الحماسة.

 

راح يتساءل كيف تتحدث الإكسيرَات داخل مضيفها. لعلها تحاول — وتفشل — في إصلاح الضرر الذي أحدثته دون أن تفهم ماهيّته. وربما تتبادل أسرار الكون القديمة كما يتبادل البشر أحاديث المسلسلات.

 

شغّلت لين مكبّر الصوت، فتحوّلت الغرغرة الفضائية سريعًا إلى صوتين رقميين… لكن مفهومين.

 

«—وأقول أضِفْ المزيد من الهيدروجين!» تأوّه رايان وهو يسمع العبارة؛ كان الصوت غير بشري، لكن نبرته تشبه طفلًا مفرط النشاط.

 

«لكن هذا سيجعل الاهتزاز أصعب!» ردّ صوتٌ آخر، لا يبدو أكثر نضجًا. “كيف ستدافع الهومو سابينس خاصتنا عن نفسها إن لم تستطع إطلاق الطاقة؟ لقد كادت تموت مراتٍ كثيرة بالفعل!»

 

«أنتم الحمر لا تتحدثون إلا عن الطاقة! لم تكن لتحتاج موجاتك الصادمة لو تركتَني أعمل بسلام!»

 

«لو تركتك دون إشراف، لتحوّلت إلى سحابة ركامية!»

 

«أنظر، مضيفتنا تريد أن تتحرّر! إتقان الحالة الغازية سيملؤها سعادةً غامرة!»

 

«أنت لا تفهم مشاعرها! لقد أرادت أن تكون قويّة لتحمي نفسها، لتسحق كل من يهدّدها! لا تريد الحرية، بل القوّة!»

 

«القوّة كلّ ما تهتمّ به أنت! لم تفكّر بنا قط! أنا من يحاول إصلاح الوضع!»

 

حلّ صمتٌ ثقيلٌ ومحرج بين الباحثين، فيما جدال الإكسيرَات يزداد حدّةً ومرارة.

 

«أنتم البرتقاليون لا تفهمون الإنسان العاقل مطلقًا، وأنت تدمّر ارتقاءها!»

 

«اسحب كلامك، أيها البطارية عديمة القلب! كنتُ هنا أولًا! كنّا سعيدين قبل قدومك إلى حياتها!»

 

«بالطبع جئتُ، فهي الإنسانة العاقلة خاصتي، وأنت أسأتَ فهم رغبتها! لن ترتقي أبدًا تحت رعايتك! لماذا لا تدعني أصلح الأمر؟»

 

قال الباندا وهو يسعل: “الباندا… الباندا يسترجع ذكرياتٍ عائلية صعبة.”

 

“وأنا كذلك.” تمتمت لين، تعضّ شفتها السفلى.

 

شفرة هانلون:

لا تُرجِع أبدًا ما يمكن تفسيره بالغباء… إلى الشرّ.

 

“أظنّ أن إكسيرَاتك بحاجةٍ إلى الطلاق.” قال رايان لسارين.

فتحوّلت السحابة داخل الحوض للحظةٍ إلى هيئةٍ بشرية، رافعةً إصبعها الأوسط في وجهه.

 

“لقد سمعتُ ما يكفي.” قال ألكيمو، موصلاً نفسه بلوحة التحكّم عبر وصلاتٍ عصبيةٍ تنبثق من أصبع الحقن في يده. ازداد توهّج الأضواء داخل الحوض، فقطع ذلك جدال الإكسيرَين في الحال.

 

«هاه؟» تمتم أحدهما — الأحمر، كما فهم رايان — «إننا نتلقّى بثًّا!»

 

«هل هي إيفا؟ آمل أن تكون إيفا! دعني أتحقّق…»

 

«إنها تعليمات!» قال الإكسير الأحمر بدهشةٍ صادقة. «أوه، لقد… لقد ارتكبنا خطأً؟»

 

«هناك… إنسانان عاقلان؟ إنسانان في وعاءٍ جسديٍّ واحد؟ ونحن…» تحوّل صوت الإكسير البرتقالي من الارتباك إلى الفزع. «ونحن أفسدناهما؟!»

 

وكأيّ شريكٍ صالح، سارع الآخر إلى إلقاء اللوم عليه. «مستحيل! ألم تلاحظ؟»

 

«لم ألاحظ لأنك شتّتّ انتباهي!» صمت البرتقالي لحظةً، ثم قال بأسى: «لقد انشغلنا بمضيفتنا الرئيسة إلى حدّ أننا نسينا التوأم تمامًا… الكيانات الأسمى لن تكون راضية.»

 

«إيفا قالت إن البشر ينقسمون أحيانًا إلى ‘توأم’… لكني لم أظنّ أن مضيفتنا قد تفعل الشيء نفسه! أوعيتهم الجسدية غريبةٌ جدًا!»

 

على عكس إكسير رايان، لم يكن هذان الاثنان يقرآن أفكار مضيفتهما جيدًا، ومعرفتهما بعلم الأحياء البشريّ تثير الشفقة. والمفارقة أن كيانًا من العدم، مثل داركلينغ، يملك فهمًا أعمق للطبيعة الإنسانية منهما.

 

«إذًا سيتولّى كلٌّ منّا حضانةَ أحد الإنسانين العاقلين؟»

 

«سآخذ الأصغر.» قال الإكسير الأحمر حاسمًا. «لقد أهملتها!»

 

«لو لم تدمّر ارتقاءَ مضيفتنا الرئيسة، لكنتُ لاحظتُ التوأم منذ البداية! وأنا متأكّد أنك ستفسدها أيضًا!»

 

«سنرى! إنسانتي ستتسامى قبل إنسانتك!»

 

وهكذا، تمّ الطلاق رسميًا: كلّ إكسيرٍ تولّى نصفًا من الحمض النووي لبيانكا. والنتائجُ ظهرت فورًا.

 

راقب رايان مذهولًا جسدَ سارين الغازي وهو يبدأ بالتكاثف. أصبحت مادتها أكثر كثافة، والمواد البرتقالية تهتزّ بتردّداتٍ حمراء. قبل لحظاتٍ كانت تملأ الحوضَ كلَّه، فإذا بها تنكمش بسرعةٍ مدهشة.

 

تكوّنت من الضباب هيئةٌ بشرية أصغر من رايان نفسه…

 

ثم ظهرت العظام.

 

“إنها تحدث.” تمتم الطبيب ستيتش مذهولًا. “إنها… تعمل حقًا.”

 

تابع الجميع المشهد في صمتٍ مأخوذ، ورايان معهم. لم تخطر بباله أي نكتة، بينما تتراكم طبقات اللحم فوق النخاع، تعقبها بشرةٌ بيضاء ناعمة. الأظافر، الشعر، العيون… تتشكّل واحدًا بعد الآخر.

 

وحين انتهت العملية وخمد الضوء، كان رجلٌ وامرأةٌ يتبادلان النظرات من وراء بابٍ زجاجي.

 

كان رايان قد تخيّل بيانكا شبيهةً بابنة عم فولكان الضائعة، لكنه لم يكن أبعد عن الحقيقة في حياته. كانت نائبةُ الرئيس السابقة نحيلةَ القامة، قصيرةً لا تتجاوز المترَ ونصفًا، ولا تبدو أكبر من الثلاثين. شعرها قصيرٌ فوضوي، أخضر قاتم تلمع أطرافه بظلٍّ برتقاليّ، وعيونها الرمادية الباكية غائرةٌ كمن لم يذق طعامًا منذ أعوام.

 

لم تفتح بيانكا باب الحوض من جهتها. رفعت يديها تتأمّلهما كأنهما زراعةٌ غريبة، ثم حرّكت أصابعها ببطءٍ على بشرتها البيضاء الملساء، تلامس خصرها، صدرها، عنقها وكتفيها… تعيد اكتشاف جسدها، تتنفّس أنفاسًا متلاحقةً كمولودةٍ جديدة.

 

“أحضروا لتلك القطعة اللحمية ثوبًا.” أمر ألكيمو زملاءه بلهجةٍ آليةٍ قاطعة.

 

“ن-نعم!” اندفع الباندا خارج المختبر باحثًا عن ملابس.

 

فتح رايان باب الحوض برفقٍ، دافعًا بعض الهواء النقيّ المبرّد إلى الداخل. “هل تشعرين بخير؟” سأل، وهو يتوقّع أن تعود المرأة إلى شكلها الغازي في أي لحظة. فبناءً على سلوك الإكسيرَين، قد يدركان ‘خطأهما’ في أي وقت ويقلبان العملية رأسًا على عقب.

 

“ما هذا الشيء؟” سألت بيانكا، مغمضة العينين وهي تستنشق الهواء بتنهيدةٍ هامسة. حتى صوتها بدا مختلفًا — أعمق، وأكثر إنسانية. “ذلك… العطر.”

 

“هذا اسمه الرائحة.” أجاب رايان وهو يشمّ بدوره. “رائحة الباندا. له حضورٌ قويٌّ جدًّا.”

 

“كنتُ قد نسيتُ أن لديّ أنفًا.” قالت، ثم لامست كتفها بشفتيها لتتذوّق العرق. “نسيتُ… أشياء كثيرة.”

 

قبل أن يدرك رايان ما يحدث، كانت بيانكا قد فتحت ذراعيها واحتضنته بقوة. دفنت رأسها في كتفه، تشدّه إليها كما لو كانت تخشى أن يبتعد.

 

“تبا…” تمتمت، والدموع تنهمر على وجنتيها. “تبا… تبا…”

 

“كلّ شيءٍ بخير.” قال رايان وهو يبادلها العناق، تاركًا لها حرية البكاء حتى تُفرغ قلبها. كم من مرةٍ تمنى هو الآخر لو وجد كتفًا صديقًا يبكي عليه. من خلف لوحة التحكّم، تابعت لين المشهد بابتسامةٍ مشرقة، فيما أدار ألكيمو وجهه متجاهلًا الموقف، وانشغل ستيتش بتفحّص البيانات وهو يتمتم لنفسه.

 

“لقد أوفيتَ بوعدك.” همست بيانكا بصوتٍ خافتٍ بالكاد يسمع، تعانقه بقوةٍ أكبر. “تذكّرتني. أيها المسافر عبر الزمن الوغد… لقد فعلتَها.”

 

“وإن كنتِ تتذكرين بدورك،” قال رايان وهو يمرّر أصابعه بلطفٍ في شعرها، “فأنتِ تعلمين أنني لا أخلّ بوعود حملتي الانتخابية أبدًا.”

 

“وكيف عرفتَ اسمي يا أحمق؟” سألته بعد أن أنهت العناق، تمسح دموعها وهي تبتسم ابتسامةً مربكةً، لكنها صادقةٌ ونقيّة. “لم أخبرك به أبدًا قبل أن يأخذ ذلك العبقريّ المعدنيّ العيّنة.”

 

نعم، رآه في عينيها.

 

إنها هي ذاتها بيانكا التي ضحّت بنفسها لتؤخّر ألفونسو ‘فول آوت’ مانادا وتمنح رايان بضع لحظاتٍ للنجاة. نجحت العملية إذن، وها هي صديقةٌ أخرى تلحق بالموصِّل عبر الزمن.

 

“لِنَقُل إن مداهمة ديناميس لم تسر كما خُطِّط لها.” أجاب رايان، بينما عاد الباندا حاملاً قميصًا وبنطالًا بسيطين. “لكن يمكننا مناقشة ذلك على فنجان قهوة.”

 

“لن أحتاج إلى ملابس.” قالت بيانكا، ثم وجّهت نظرةً سريعة نحو موضع أقوى أسلحة رايان. “اخلع.”

 

رمش الموصِّل بدهشة، فيما وضع الباندا يده على فمه مصدومًا. “ماذا؟” سأل رايان.

 

“أصمّ أنت؟ قلتُها بوضوح: أولُ ما سأفعله بعد أن أستعيد حياتي هو أن أعتلي أحدهم.”

 

“مهلًا، لمجرّد أن كلّ أسلافي غزوا قسم السكرتاريا لا يعني أن عليّ فعل الشيء نفسه!”

 

“العرض محدود يا «سيدي الرئيس».” قالت بابتسامةٍ ماكرة. “لديك خمس دقائق لتقرّر… أو أعد التحميل.”

 

رفع الطبيب ستيتش رأسه عند سماع الكلمة الأخيرة، لكن رايان ظلّ ثابتًا في إخلاصه لليفيا. “آسف، لكنني متزوّج.” قال الموصِّل. “مع ذلك، لديّ بدلة كشمير احتياطية، وهي ثاني أجمل شيءٍ في العالم!”

 

اكتفت بيانكا بهزّ كتفيها، وأمسكت أخيرًا بالملابس التي قُدّمت لها. “هل عندك سجائر؟ كحول؟” سألت وهي ترتدي البنطال. “لأن أمامي عمرًا كاملًا عليّ تعويضه.”

 

لقد استغرق الأمر حلقاتٍ لا تحصى وسنواتٍ من العذاب…

لكنّ لعنة السايكو وجدت أخيرًا علاجها.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء. اللهم ارحم جميع موتى المسلمين.

 

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

 

[1] لي هارفي أوزوالد هو المتهم الرئيسي في اغتيال الرئيس الأمريكي جون ف. كينيدي في دالاس عام 1963.

 

 

الإنسان العاقل = الهومو سابينس

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset