النهاية المثالية: الفصل 1

كويك سيف

الفصل 1: كويك سيف

كان اليوم الثامن من مايو عام 2020، للمرة الثالثة، ورايان قد تسبب بالفعل في حادثي سير.

وكان يلقي باللوم على سكان روما الجديدة؛ إذ كانوا يقودون سياراتهم بجنون، وكأنهم مطاردون له لا يعرفون سوى السرعة والتهور. كان المشي على الرصيف أكثر أمانًا بلا شك.

لحسن الحظ، كان قد أنشأ نقطة حفظ قبل أن يتجاوز لافتة ‘مرحبًا بكم في روما الجديدة’، عند نهاية الطريق السريع الذي يربط المدينة ببقية منطقة كامبانيا.

انطلق بسيارته الحمراء، البليموث فيوري المعدلة، متفاديًا بشق الأنفس شاحنة صهريج كادت أن تصدمه من اليسار، ثم تجاوز مدمنًا على مخدر ‘السعادة’ كان يترنح في الطريق، قبل أن يصل أخيرًا إلى الشريط التجاري المزدحم لروما الجديدة.

لم تخيب المدينة توقعاته؛ كانت روما الجديدة مشهدًا مذهلًا، تليق بسمعتها كأكبر مدينة في إيطاليا وعاصمة الخطيئة في أوروبا التي أرهقتها الحروب. بُنيت أطرافها على ضفاف خليج نابولي فوق أنقاض المدينة القديمة، التي دمرتها طائرات ميكرون المسيرة. وارتفعت مبانيها كالأبراج في الأفق، أطول مما رأى رايان منذ نهاية حروب الجينوم، وإن لم يضاهِ أي منها برج ديناميس الشاهق في شمال المدينة، البرج الزجاجي الذي أصبح رمزًا لهيمنة الشركة على المنطقة. ففي روما الجديدة، لم يكن هناك مكان للحكام أو الملوك… وحده المال كان السيد.

على يسار الطريق، كان رايان يرى مياه البحر الأبيض المتوسط الصافية، تلمع تحت وهج الغروب، بينما تلقي جزيرة بعيدة ظلها الطويل فوق الأفق؛ أما إلى يمينه، فقد كانت تمتد صفوف لا تنتهي من الكازينوهات، وصالات القمار، والنزل الفاخرة التي تجذب حشود السياح إلى المدينة. لمح أيضًا كولوسيوم ماكسيموس الشهير، النسخة الحديثة من كولوسيوم العالم القديم.

بالفعل، كانت هذه المنطقة تستحق اسمها عن جدارة: الساحل الذهبي.

حتى رايان نفسه جذب إليه أنظار بعض السياح، فقد كان يقود مرتديًا زيّه الخاص بكويك سيف. كان يغطي وجهه الوسيم بقناع معدني بلا فم، مزود بعدستين دائريتين للعينين، بينما ينسدل شعره الأسود من تحت قبعة عالية سوداء. ومع معطف أزرق كحلي طويل، وقميص أرجواني، وسروال أزرق، وقفازين وحذاءين أسودين، بدا وكأنه تجسيد للأناقة.

كان ارتداء ذلك الزي خانقًا، وغير عملي تمامًا للقتال، لكنه بدا رائعًا… وبالنسبة لكويك سيف، هذا وحده كان كافيًا.

وأثناء مواصلته السير شمالًا نحو وجهته، وقعت عينا رايان على بعض لوحات الدعاية اللافتة. كانت إحداها تعرض صورة للبطلة الخارقة وايفرن، إمرأة أمازونية الملامح، ذات شعر أسود يصل إلى كتفيها، وعينين رماديتين حادتين، ترتدي بدلة جسدية بيضاء تُبرز عضلاتها، وخلفها يظهر مشروب أخضر لامع.

كان الشعار يقول: ‘هل ترغب بأن تصبح قويًا مثل وايفرن؟ مع إكسير هرقل، ستنجز في فترة بعد الظهيرة ما أنجزه هرقل في اثني عشر عملًا!’

ثم يليه إعلان آخر: ‘مئة ألف يورو، فقط لدى ديناميس!’

هز رايان كتفيه بلا اهتمام؛ فقد أصبح الجميع يحلم بأن يصبح جينوم هذه الأيام، أو حتى ظلًا باهتًا لجينوم حقيقي. ومع ذلك، من الذي يستطيع مقاومة قوى خارقة معبأة في زجاجة؟ حتى رايان نفسه لم يقاوم، وإن كان قد تناول النسخة الأصلية، لا تلك التقليد الرخيص الذي يمنح جزءًا ضئيلًا من القوة الحقيقية.

ومنذ ذلك الحين، كانت حياته أشبه بركوب أفعوانية لا تتوقف.

قاد سيارته مرورًا بمنطقة سياحية تطل على منحدر وشاطئ أشبه بشواطئ ميامي، حتى وصل إلى حي مكتظ بالحانات والنوادي الليلية والمطاعم. كانت رائحة المخدرات والكحول تعبق في المكان، لكنه لم يكن يبدو حيًا منحطًا أو خطيرًا. من خلال ما سمعه، كانت الأحياء الأسوأ تقع في شمال المدينة.

بعد أن حفظ خريطة المدينة عن ظهر قلب، سرعان ما عثر رايان على المكان الذي كان يبحث عنه: حانة متواضعة لا تثير الانتباه، تقع بين مطعم إيطالي ونادٍ ليلي مغلق. أوقف سيارته بالقرب منها، ثم ترجّل منها وتوجه إلى صندوق الأمتعة.

لم يكن رايان بارعًا أبدًا في تنظيم أغراضه، فقد كانت أغراضه مكدسة داخل الصندوق في فوضى عارمة؛ أدوات، حواسيب، أسلحة، كومة من المعدن كادت تفيض خارج السيارة؛ ومع ذلك، لم يكن شيء من ذلك يعادل خطورة دمية الأرنب الأبيض المحشوة، أخطر أداة في ترسانته.

بعد لحظات من البحث، عثر بسرعة على الحقيبة السوداء التي تم توظيفه لإيصالها، أمسك بها، أغلق الصندوق، ثم دخل الحانة.

كان المكان يتمتع بجو دافئ مريح، يضم عشر طاولات، لم يكن مشغولًا منها سوى الثلث تقريبًا. لمح سريعًا شابًا لاتينيًا يحاول أن يبهر رفيقته بجعل عملة معدنية تطفو في الهواء — على الأرجح أنفق خمسين ألف يورو على إكسير مقلد. وخلف الطاولة، وقف رجل مسن، أصلع الجلد، مجعد الملامح، ببشرة مسمرة، ينظر إلى الوافد الجديد بنظرة حذرة.

قال رايان مخاطبًا الكائن الحي القائم على الكربون[1] المعروف بإسم النادل، بنبرة ساخرة: “مرحبًا أيها البشر المحليون، جئتكم بسلام!” ثم تابع سائلاً ببساطة: “هل هذه هي حانة رينيسكو جولي رانجلر؟”

رمق الرجل الواقف خلف الطاولة رايان بنظرة حادة. “إن ذلك مكتوب على الباب الأمامي. ماذا تريد؟”

تساءل رايان في نفسه لماذا يحمل اسم الحانة كلمات بكل من الفرنسية والإنجليزية، بينما يتكلم النادل بلهجة إيطالية أصيلة؟ مرة أخرى، يفاجئني عبث التعدد الثقافي! “إذًا فلا بد أنك رينيسكو!” ناول الرجل المسكين الحقيبة السوداء وأضاف: “لقد تم توظيفي لتسليمك هذه! إنها مليئة بالفطر وقنبلة، لكني لم أفتحها هذه المرة.”

“هذه المرة؟” عبس النادل. “أنت…”

“كويك سيف.” قدم رايان نفسه وهو يرفع قبعته بأناقة. “أنا خالد، لكن لا تخبر أحدًا.”

“صديقي، لقد قلتها بصوت عالٍ بما يكفي ليسمعها الجميع!” هتف صوت ساخر من الخلف وسط ضحكات الزبائن القلائل.

“أهذه هي قوتك؟ سأله النادل غير متأثر. “الخلود؟”

“إنها جزء من باقة كاملة.”

“أيا كان،” تمتم رينيسكو بتبرم، بينما كان يأخذ الحقيبة من يد رايان. “سأبلغ مديري، وستتلقى مستحقاتك قريبًا.”

“خبر جيد!” رد رايان مبتسمًا وهو يسند يده إلى الطاولة. “بالمناسبة، بما أنني هنا، هل صادفت فتاة تُدعى لين؟ شعرها أسود، عيناها زرقاوان، وماركسية لينينية؟”

هز النادل كتفيه وقال بلا مبالاة: “لم أسمع بها قط. إذا كنت تبحث عن فتاة، جرّب أحد بيوت الدعارة.”

ضحك رايان وقال وهو يهز رأسه: “هذا ليس النوع الذي أبحث عنه، لكن شكرًا على أية حال.” عرف أن لين، بطبيعتها، كانت على الأرجح تختبئ في أحد مخابئ الكرملين تحت الأرض. “هل هناك مكان يمكن شراء تكنولوجيا عبقرية مصنّعة يدويًا فيه؟”

“جرّب مدينة الصدأ في الشمال، إن كنت شجاعًا بما يكفي. بإمكانك دائمًا العثور على أشياء مثيرة للاهتمام في ساحة الخردة، لكنها الآن تعج بالقتلة والسايكو. “ثم نظر إلى كويك سيف من رأسه حتى أخمص قدميه وأضاف بتحذير ساخر: “سيأكلونك حيًّا.”

اكتفى رايان بهز كتفيه بلا مبالاة، بينما كان يسمع خطوات شخص يدخل الحانة. بدا وكأن درجة الحرارة انخفضت فجأة لبضع درجات.

سأل القادم الجديد بنبرة باردة: “رينيسكو؟”

رد النادل، عاقدًا حاجبيه: “نعم؟”

ولم تمض ثانية حتى اخترق رمح جليدي عنق رينيسكو، وثبّته إلى الجدار الخلفي.

حاول رايان تفعيل قدرته على إيقاف الزمن، لكن رمحًا جليديًا حادًا اخترق صدره بسرعة مذهلة. مزّق الرمح سترته المضادة للرصاص وأضلاعه معًا، وخرج من الجهة الأخرى، تاركًا فجوة واسعة في المكان الذي ينبغي أن تكون فيه رئتاه.

اندلعت الصرخات في المكان، بينما كانت المقذوفات تمزق الطاولات والزبائن على حد سواء. وبينما كان رايان يكافح ضد الألم الحاد في صدره، انهار على الطاولة، وتمكن بصعوبة من إلقاء نظرة على مهاجمه.

خلع الوافد الجديد قلنسوته، كاشفًا عن وجهه… أو بالأحرى، غياب وجهه. بدا مثل هيكل عظمي يمشي بلا جلد، تكسوه بقايا عضلات، وأصابعه العظمية الطويلة تمتد كالمخالب، وفي محجري عينيه لم يكن سوى جليد متجمد. من فمه وأنفه كانت تتصاعد غمامة ضبابية باردة وغير طبيعية، تتحول بسرعة إلى أسلحة جليدية فتاكة.

جينوم. بل ربما حتى سايكو، بالنظر إلى التشوّه الواضح في جسده.

قال القاتل بصوت أجش: “آدم يرسل تحياته.”

حاول الشاب اللاتيني في آخر الحانة أن يلقي عليه كرسيًا باستخدام التحريك الذهني، لكن الجينوم المعادي غطّى عظامه بسرعة بدرع من الجليد. وبعد عدة قذائف جليدية أخرى، تحول وجه كل من الشاب ورفيقته إلى لوحة مكعبات دموية

“سأقضي عليك…” رفع رايان إصبعًا نحو قاتله بحركة مسرحية، والدم يتدفق من فمه، “في نقطة حفظي القادمة…”

لكن الكائن الشبيه بالأوندد جمّده حيًا بحركة واحدة من يده، ثم أظلم كل شيء.
_____________________________________________________

كان الثامن من مايو 2020… للمرة الرابعة، ورايان في قمة الغضب.

ثلاث مرات! ثلاث مرات مات فيها وهو يحاول إيصال هذه الشحنة اللعينة!

لكنه لام نفسه — هذا ما يحدث حين لا تنتبه جيدًا. باستثناء نقطة الحفظ، فإن معظم قواه تتطلب تفعيلًا واعيًا؛ وإحساسه بالتوقيت المعزز لا يعمل إلا بعد أن يعيش الحدث مرة واحدة على الأقل.

رايان لم يكن يمانع الموت؛ فقد اعتاد عليه منذ أول عشرين مرة تقريبًا…
لكن أن يموت بهذه السرعة؟ أقل من ساعتين بعد إنشاء نقطة الحفظ؟ ولثلاث مرات متتالية؟ هذا ما لم يستطع تحمّله.

عادةً، كانت حلقاته الزمنية تستمر لأيام، مما يتيح له تجربة الحيل والمخططات المجنونة بكل أريحية؛ أما إعادة نفس السيناريوهات بسرعة متتالية… فذلك كان يقتله مللًا قبل أن تقتله الرصاصات.

كان هذا إعلان حرب.

دخل رايان في وضع القيادة الآلية؛ بدأ عقله يهيم بعيدًا بينما أعاد جسده تلقائيًا تنفيذ كل خطوة قام بها في نقطة الحفظ السابقة. لم يستعد وعيه الكامل إلا حين وصل إلى الحانة.

لكنه لم يدخل هذه المرة. بل بقي جالسًا في سيارته، ينتظر ظهور قاتله.

ولم يطل انتظاره؛ إذ خرج القاتل من زاوية أحد الشوارع، يده في جيبه، ووجهه القبيح مخفي تحت قلنسوة. كان من دواعي السخرية أن هذا المجرم لم يلفت الانتباه في مدينة مثل روما الجديدة، وهو يدخل حانة جولي رانجلر بكل أريحية.

لم يكن هناك سوى تصرّف واحد… منطقي ومسؤول طبعًا.

حرّك رايان السيارة إلى أمام باب الحانة مباشرة، شغّل أغنية لفرقة AC/DC على الراديو، ثم ضغط دواسة الوقود بكل ما أوتي من قوة.

صرخ المارة وهم يفرّون من الطريق، بعضهم قفز حرفيًا لينجو بحياته، في حين اخترقت السيارة واجهة الحانة بلا تردد. كانت سيارة البليموث قد تم تدعيمها مسبقًا لهذا النوع من الحوادث، فحطّمت الحائط بكل سهولة، ودهست الجينوم القاتل من الخلف قبل أن يتمكن من تنفيذ هجومه. طار جسد المعتدي كغزال مصعوق، ليصطدم مباشرةً بواجهة الطاولة الخشبية.

ألقى رايان نظرة خاطفة من حوله، فقط ليتأكد أنه لم يصدم أحدًا من الزبائن بالخطأ. كان قد اختار زاويته بعناية، بحيث لا يكون في طريقه سوى القاتل… لكن لا يمكنك أبدًا أن تكون واثقًا تمامًا. لحسن الحظ، لم يُصَب أحد، وكان الشاب الإسباني مشغولًا جدًا باحتضان رفيقته المذعورة لدرجة أنه نسي تمامًا رمي شيء على رايان.

جيد. لن يضطر إلى العودة إلى نقطة الحفظ من جديد.

“مرحبًا يا رفاق، أنا كويك سيف!” قال رايان بابتسامة واسعة وهو يترجل ويتحرك إلى خلف سيارته. “أنا خالد، لكن لا تخبروا أحدًا!”

“سأتصل بالأمن!” صرخ رينيسكو وهو يحتمي خلف الطاولة.

“لا تُكلّف نفسك، سأكون قد انتهيت خلال دقيقة!” ردّ رايان بلا مبالاة، وهو يفتح صندوق سيارته الخلفي. راح يتفحّص أسلحته، باحثًا عن الأداة المناسبة لهذه المهمة.

القفازات المعدلة؟ تتطلب إقترابا زائدا.

المسدس الكهرومغناطيسي؟ سريع أكثر من اللازم.

بندقية الرش؟ مغرية، لكنها مستهلكة.

دمية الأرنب؟ قوية أكثر مما ينبغي.

مضرب البيسبول؟

هو الخيار الأمثل.

راح رايان يصفر وهو يلوّح بسلاحه المختار، يقترب بخطى هادئة من القاتل الذي كان ينهض ببطء، متكئًا على الطاولة ليدعم جسده. أي شخص آخر لكان قد مات على الفور، لكن الجينومات جميعًا يمتلكون قدرات جسدية فائقة.

“من تكون بحق الجحيم؟!” زمجر القاتل الشبيه بالأوندد، محاولًا تشكيل درعه الجليدي على جسده كما فعل في الحلقة الزمنية السابقة، لكن الصدمة أربكته فلم يتمكن من التركيز. “أأنت أوغُستي؟!”

“لا، مجرد موصل.” قال رايان وهو يحاول أن يفكر في جملة لاذعة تناسب اللحظة. “بالمناسبة، هلّا أخبرتني باسمك… قبل أن تفقد أسنانك؟”

لم يُجب الهيكل العظمي سوى برفع يده، مُطلقًا وابلًا من شظايا الجليد.

ودون أدنى استعجال، أوقف رايان الزمن. غرق العالم في صمتٍ تام، واكتسى كل شيء بلونٍ أرجواني باهت، فيما تجمّدت شظايا الجليد في الهواء.

‘تجمّدت[2]… نكتة جيدة.’ سجّل الموصّل هذه المزحة في ذهنه كي يستخدمها لاحقًا.

“أجل، لقد فاجأتني في المرة السابقة،” قال كويك سيف وهو يتحرك متجاوزًا مسار الهجوم، حتى أصبح أمام هدفه مباشرة. لم يكن بإمكان الزبائن ولا الجينوم العدو أن يتحركوا، إذ كانوا عالقين بين ثانيتين من الزمن. “لكن هذا لن يحدث مرة أخرى.”

ما إن عاد الزمن إلى مساره، واستعاد العالم ألوانه، حتى طبع الهيكل العظمي قبلة قاسية على مضرب الألمنيوم. كان يطبِق فكيه بإحكام، فتناثرت بعض أسنانه تحت وطأة الضربة. على الأرجح… لم تكن له خبرة سابقة في هذا النوع من القبل.

طرحت الضربة الأولى القاتل على ركبتيه، وأتبعها رايان بضربة ثانية ألصقت وجهه بالأرض. ثم شرع في ضربه على إيقاع أغنية الطريق إلى الجحيم، يدندن لنفسه وكأن المشهد بأكمله مجرد عرض مسرحي. بين صدمة الاصطدام بسيارة منطلقة بكامل سرعتها، والضربة المباشرة على الرأس، لم يعد لدى الجينوم العدو قدرة على المقاومة. ويبدو أن شيئًا من الدم المتجمّد كان لا يزال عالقًا تحت عظامه وبقايا جسده.

“أشعر وكأنني نظام الرعاية الصحية… أوسِع جدة مسكينة ضربًا.”
هزّ رايان رأسه باشمئزاز وهو ينظر إلى القاتل، قبل أن يوجه له ضربة أخرى. “انظر إلى ما أجبرتني عليه!”

لم يكن لدى الأحفور الخبيث ما يبرر به نفسه، فتابع كويك سيف ضربه دون تردد. صلابته غير الطبيعية كانت كافية ليحتمل ما هو أسوأ، وبما أنه كان قد قتل رايان في حلقة زمنية سابقة، لم يشعر الموصّل بأي ذنب وهو ينهال عليه حتى شارف على الموت.

“ألقِ سلاحك!”

استدار رايان ليجد ثلاثة رجال يرتدون دروعًا سوداء مضادة للشغب، يصوّبون نحوه بنادق طاقة. كانوا يحيطون بسيارته من كل جانب، وشعار الأفعى التي تلتهم ذيلها يلمع على صدورهم — شعار شركة ديناميس. على الأرجح، كانوا من أفراد الأمن الخاص. في الخارج، تجمهر عدد من المدنيين أمام الحانة، يراقبون المشهد من مسافة آمنة، وقد بدأ بعضهم بالتقاط الصور بالفعل.

“مهلًا، أنا فقط أحاول المساعدة!” احتجّ رايان وهو يلوّح بمضربه الملطّخ بالدماء علامة استسلام، بعد أن ركل القاتل مرة أخيرة بحذائه.

“لقد فجّرت حانتي!” صرخ رينيسكو وهو يخرج من خلف الطاولة، وجهه متوهّج من الغضب.

“آه، تريد مالًا؟” قال كويك سيف وهو يفتّش بسرعة داخل معطفه الطويل، لتظهر ثلاث دوائر حمراء على قناعه، قبل أن يخرج رزمة أوراق نقدية بقيمة خمسين ألف يورو. “تفضل، هدية بسيطة!”

رمق رينيسكو المال بنظرة مترددة، أمسكه، عدّه، ثم قال للحراس وهو يتنحنح: “المبلغ أكثر من كافٍ لإصلاح الأضرار… الرجل الملقى على الأرض حاول مهاجمتنا، أما غريب الأطوار الآخر، فقد جاء للمساعدة.”

“هل تملك ترخيصًا؟”سأله أحد رجال الأمن، فهز رايان رأسه نافيًا.
“إذًا… هل أنت من الحراس المستقلين؟ أو من الأوغُستي؟ أم جينوم تابع للشركة؟”

“ولا واحدة!” أجاب رايان ببساطة.

“حسنًا، إن لم يكن بحوزتك ترخيص، فما الذي يمنعنا من اقتيادك مع ذاك الكائن العظمي؟”

“ماذا الآن، أنت أيضًا تريد مالًا؟”

قالها رايان، ثم ألقى عليه رشوة دون تردد.

أمسك قائد الحراس بالرزمة بيد واحدة، وعدّها دون أن يُخفض سلاحه الموجَّه إلى رأس كويك سيف، ثم ضحك بخفة: “أتظن أنك تستطيع شراء شرفنا بهذا القدر؟”

فما كان من رايان إلا أن رمى عليه رشوة أكبر.

“أفضل،” قال الحارس وهو يضع المال في جيب مزدحم بالقنابل اليدوية. خفض بندقيته، وأشار إلى رفيقَيه ليمسكا بالقاتل برفق — بعد أن سدّد أحدهما لكمة سريعة إلى بطنه. “سعيد لأننا ساهمنا اليوم في جعل الحي أكثر أمانًا.”

“وأنا كذلك،” ردّ رايان. “وأنا كذلك.”

“رينيسكو؟” قالها القائد وهو يلتفت إلى صاحب الحانة، بينما كان رجلاه يجرّان القاتل بعيدًا. “لا تنسَ دفع اشتراكك الشهري. لن نكون دائمًا هنا لحماية مكانك.”

وبهذه الكلمات الحكيمة، غادر الثلاثة دون أن يلتفتوا خلفهم.

“هل تحمل دائمًا هذا القدر من المال معك؟” سأل رينيسكو مذهولًا من المشهد السريالي الذي انتهى لتوّه.

“عندما تتسبب بقدر الخراب الذي أسبّبه عادة، توفير الوقت يصبح أولوية.” ردّ رايان، ومضرب البيسبول لا يزال يقطر دمًا. “بالمناسبة، من كان ذاك الهيكل العظمي؟”

“غول، أحد السايكو من عصابة الميتا. مدمنو إكسير، صاروا يهاجمون أماكن مثل حانتي مؤخرًا.” رمق رينيسكو رايان بنظرة حادة، ثم نظر إلى سيارته المحطمة، ثم عاد ببصره إلى سائقها. “والآن، اخرج من حانتي اللعينة.”

“هممم، ليس قبل أن أنهي هذه التوصيلة اللعينة.” قال رايان وهو يناول الحقيبة إلى رينيسكو، غير مكترث بكل الفوضى التي أثارها من أجلها.
كويك سيف يسلّم دائمًا…مهما كلّفه الأمر من أرواح.

لمعت عينا صاحب الحانة للحظة، أولًا بالاعتراف، ثم بالحيرة. “لا أفهم”، قال وهو يأخذ الحقيبة. “ما صرفته في الدقيقة الأخيرة وحدها يتجاوز أضعاف ما ستتقاضاه.”

“ليس المال هو السبب.” أجاب رايان، وهو ينظر من حوله بتحفّز وكأنّه يخشى أن يسمعه أحد، ثم اقترب وهمس في أذن رينيسكو: “أنا فقط… أشعر بالملل.”

تأمله رينيسكو بصمت، بينما عاد الموصّل إلى سيارته وهو يدندن لنفسه، متجهًا تحت ضوء الغروب نحو مغامرة جديدة.

المهمة الجانبية: مكتملة!

☆☆☆☆☆

ملاحظات المترجم لتسهيل الفهم:

كويك سيف/ الحفظ السريع: هو مصطلح يُستخدم في ألعاب الفيديو للإشارة إلى ميزة حفظ التقدم بسرعة في اللعبة بنقرة زر، مما يسمح للاعب بالعودة إلى نقطة معينة بسهولة في حال حدوث خطأ أو الحاجة لإيقاف اللعب مؤقتًا.

سايكو: تعني مختل عقلي.

1: رايان يستخدم طريقة كلام فكاهية ساخرة، ليجعل الموقف يبدو كأنّه تواصل بين “مخلوق فضائي” و”كائن أرضي”، رغم أنه يتحدث إلى إنسان عادي تمامًا.

2: النكتة من رايان هنا تعتمد على ازدواجية المعنى (التجمّد الحرفي للجليد وتوقّف الزمن بشكل حرفي كذلك)، ولهذا يجد رايان أن استخدام كلمة “تجمّدت” كنكتة مضحكة في هذا الموقف مناسب.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset